(أخبار اليوم – تالا الفقيه)
قالت الدكتورة رولا بزادوغ إن أخطر ما يواجه المجتمعات اليوم لا يرتبط بالخيانة ولا بالفقر ولا بالمشكلات الخارجية بقدر ما يرتبط ببيئة البيت نفسها، مؤكدة أن البيت ليس مجرد جدران وسقف، بل هو المناخ النفسي، واللغة اليومية، وأسلوب التربية، ونمط التواصل بين الأب والأم والأبناء.
وأوضحت بزادوغ أن كثيرًا من الأسر لا تنهار بسبب ضغوط العالم الخارجي، وإنما بسبب الطريقة التي يُربّى بها الجيل الجديد داخل البيت، مشيرة إلى أن الطفل يولد بجهاز عصبي حساس وقابل للتشكّل، وأن أسلوب تعامل الأهل معه خلال السنوات العشر الأولى يحدد قدرته على ضبط انفعالاته، ومفهومه عن الاحترام، وعلاقته بالضمير، وحتى مستوى التعاطف لديه.
وبيّنت أن القيم والأخلاق لا تُلقّن نظريًا، وإنما تُزرع عبر التجربة اليومية، لافتة إلى أن البيوت التي يسودها الصراخ، والتناقض، والفوضى، أو التساهل غير المنضبط، تُنتج أطفالًا مشوشين ومندفعين، قد يتحولون لاحقًا إلى عامل أساسي في تفكك الأسرة نفسها.
وأضافت أن تحميل الجيل الجديد مسؤولية تراجع القيم يُعد قراءة قاصرة، معتبرة أن السؤال الحقيقي يجب أن يوجّه إلى من صنع هذا الجيل، مستعرضة جملة من الأخطاء التربوية الشائعة، أبرزها استبدال التربية الإنسانية بالتربية الرقمية، وغياب القدوة داخل البيت، والخلط بين الحب والتدليل، وضعف الحدود التربوية، وترك الطفل يقود البيت بدل أن يُقاد.
وأشارت إلى أن الطفل اليوم يتربى في كثير من الأحيان على وسائل التواصل والألعاب الإلكترونية وثقافة الاستهلاك السريع والقيم الفردانية، محذرة من أن غياب البيت القوي بالقيم يفتح المجال أمام الإنترنت ليكون الأب البديل، والشارع ليكون المربي البديل.
وشبّهت بزادوغ الأسرة بجسم الإنسان، موضحة أن ضعف المناعة الأخلاقية يجعل أي خلل بسيط قادرًا على هدم البيت من الداخل، وأن غياب الانضباط القيمي لدى الأبناء يظهر في مظاهر مثل ضعف احترام الوالدين، وتدني اللغة، وتكرار الكذب، والعنف اللفظي، واللامبالاة، والتمرد غير المسؤول، ما يؤدي إلى إنهاك الأم وتوتر العلاقة الزوجية وصولًا إلى الانهيار الصامت.
وختمت بزادوغ بالتأكيد على أن الأبناء لا يحتاجون إلى مزيد من الهدايا بقدر حاجتهم إلى الحضور الحقيقي، والحوار، والنظام، والثبات، والمتابعة، وتربيتهم على المسؤولية، مشددة على أن القيم تتشكل حين يعيش الطفل الاحترام، ويشاهد الصدق، ويختبر التعاطف، وتُطبق عليه الحدود بعدالة، مؤكدة أن الأخلاق تبدأ دائمًا من مكان واحد هو البيت.