هل سترفع طهران «الراية البيضاء» في هذه الحرب؟ الإجابة، في تقديري، لا، هذا يعني أننا أمام حرب استنزاف طويلة وواسعة أيضا، هل تتحمل المنطقة كلفة هذه الحرب الطويلة؟ أكيد لا، امتداد فترة الحرب لن يصب، أيضا، في مصلحة أمريكا، خزان «البترودولار» يشكل عصب الاقتصاد الأمريكي والعالم، هل ستدق ساعة نهاية الحرب من خلال إشعال الفوضى داخل إيران والمنطقة، أو تحويلها إلى حروب بالوكالة؟ ربما، هذا أفضل سيناريو مطروح لإضعاف إيران وإبقاء الصراع مستمراً وطويلًا، وفرض أجندة تغيير النظام، وانتزاع صورة النصر، وحذف إيران من مشهد التأثير والتهديد في المنطقة.
ثمة سؤال آخر مهم، ماذا لو خرجت إيران من الحرب»ضعيفة» ولكن بلا هزيمة، أقصد بلا استسلام، وبلا تغيير في النظام، وبلا حرب أهلية، وبلا تقسيم؟ أفترض أن نضع هذا السيناريو على طاولة «تقدير الموقف» لما بعد الحرب، أفترض، أيضاً، أن ندرج كافة السيناريوهات الأخرى المتوقعة، لا مصلحة لأحد من العرب بانتصار نتنياهو، ولا نعرف من هو الهدف الثاني والتالي في إطار تغيير خرائط الشرق الأوسط، صحيح نحن لسنا طرفاً في الحرب ولا نريدها، لكننا بحكم الجغرافيا أصبحنا أحد أهدافها، وعليه يجب أن نتوافق على قواعد أساسية : نهاية الحرب بلا منتصر تصب في مصلحتنا، حماية الأردن أولا هي أولويتنا، الانحياز لأي طرف في الحرب يهدد وحدة جبهتنا الداخلية.
الدولة الأردنية، في تقديري، تتعامل مع هذه الحرب بحذر، ترفع لافتة وقف التصعيد والتوصل إلى تفاهمات لإنهاء الحرب، الدبلوماسية الأردنية تتحرك في هذا الاتجاه بشكل جاد، لم نغلق السفارة الإيرانية في عمان، خطوط الاتصال مع طهران لم تنقطع إلا في الأيام الأخيرة من الحرب، القوات المسلحة الأردنية أصدرت بيانا نفت فيه بشكل قاطع أن تكون الأراضي الأردنية منطلقا لأية عمليات عسكرية ضد أهداف في العراق، كما نفت الدولة الأردنية، مراراً، أن تسمح لأي طرف باختراق أجوائنا أو المساس بسيادة أراضينا، نحن ندافع عن أنفسنا فقط، ومن حقنا وواجبنا أن نفعل ذلك.
نهاية الحرب لا تعني نهاية إيران، نحن محكومون بالتاريخ والجغرافيا والمصالح، وللأردن دور مهم يمكن أن يقوم به في مرحلة ما بعد الحرب، الملف «الشيعي» مثلا لا يرتبط ببقاء او رحيل النظام الإيراني القائم، سبق وأن دخلنا بدور مهم عبر هذا الملف في مرحلة ما بعد الحرب العراقية الإيرانية، ويمكن أن ندخل إليه بعد الحرب، للأردن دور مهم أيضا في ترتيبات «الحالة العراقية» وفي ترتيبات «الخليج العربي»، خارطة ما بعد الحرب على إيران مزدحمة بالملفات، موقف الحياد الإيجابي، وعدم القطع في العلاقات، وانتظار تشكل المحاور، يضع الأردن في صلب معادلة التأثير والاشتباك الإيجابي، وهذا ضروري في سياق حماية بلدنا ومصالحنا الوطنية العليا.
صحيح، يدفع الأردن، الآن، جزءاً من فاتورة كلفة الحرب، ولديه قلق أن يدفع أكثر حال استمرارها لمدة أطول، لكن أمامنا، أيضاً، فرصة للتفكير بانتزاع ما يمكن من أثمان سياسية واقتصادية ومن أدوار أيضاً، هذا يستدعي مسألتين: استدارة للخارج وفق بوصلة المصالح الأردنية العليا، بمعنى أن نفكر أردنياً، و بشكل غير مرتبط بأي قضايا في سوق المزايدات التي تتبناها بعض التيارات السياسية، المسألة الأخرى : استدارة للداخل الأردني تستند إلى ترتيب أولوياتنا، وتصفير أزماتنا، وتوحيد خطابنا العام، والخروج من دوائر التأزيم إلى فضاء التوافقات والمشتركات الوطنية، وضع الاستدارتين على سكة (الأردن أولاً)، وتوفير ما يلزم من أدوات لإدارتهما بهدوء وعقلانية، يشكل عنواناً لاجندتنا الوطنية في مرحلة الحرب وما بعدها.