أخبار اليوم - عواد الفالح - منذ سنوات طويلة يتكرر في التحليلات الإقليمية سؤال يكاد يتحول إلى لازمة سياسية: كيف بقي الأردن مستقراً في منطقة تضطرب باستمرار؟ ومع كل أزمة جديدة في الشرق الأوسط يعود السؤال نفسه، وكأن هناك من ينتظر لحظة انهيار هذا البلد الصغير جغرافياً، الكبير بتوازناته السياسية.
غير أن قراءة التجربة الأردنية تكشف أن الاستقرار لم يكن يوماً صدفة أو نتاج ظرف عابر، بل نتيجة نهج سياسي قائم على إدارة التوازنات في بيئة إقليمية معقدة. فبينما اختارت دول كثيرة في المنطقة الاصطفاف الحاد في صراعات الإقليم، حاول الأردن أن يدير علاقاته وفق معادلة دقيقة تجمع بين حماية مصالحه الوطنية والحفاظ على قنوات الحوار مع مختلف الأطراف.
يرى مراقبون أن الدولة الأردنية اختارت منذ سنوات نهجاً مختلفاً يقوم على إدارة الأزمات بدل الاندفاع إليها. هذا النهج جعلها تتحرك بين خطوط التوتر الإقليمي بحذر، وتتعامل مع التحولات الكبرى في المنطقة بعقلانية سياسية تحاول تقليل الخسائر قدر الإمكان. ففي إقليم يميل إلى الحلول الصدامية، بدا الأردن أحياناً كأنه يحاول تبريد الصراعات بدل تغذيتها.
لكن هذه القراءة لا تخلو من نقاش داخلي. فهناك من يرى أن صمود الأردن يعود أيضاً إلى طبيعة الدولة ومؤسساتها، حيث حافظت البنية المؤسسية للدولة على قدر من الاستقرار حتى في أكثر اللحظات حساسية. هذا الاستقرار المؤسسي، وفق هذه الرؤية، منح الدولة قدرة على التعامل مع الأزمات دون أن تتحول إلى أزمة وجودية.
في المقابل، يطرح آخرون زاوية مختلفة للنقاش، معتبرين أن الحديث عن الاستقرار لا يعني أن التحديات قد انتهت. فالأردن، مثل غيره من الدول، يواجه ضغوطاً اقتصادية واجتماعية حقيقية، ويحتاج باستمرار إلى سياسات قادرة على موازنة متطلبات الأمن والاستقرار مع احتياجات المجتمع الاقتصادية والتنموية.
كما يشير بعض المراقبين إلى أن موقع الأردن الجيوسياسي يضعه في قلب معادلات إقليمية معقدة؛ فهو محاط بملفات شديدة الحساسية، من القضية الفلسطينية إلى التحولات التي شهدتها دول الجوار خلال السنوات الماضية. وفي مثل هذا المشهد، يصبح الحفاظ على التوازن السياسي مهمة يومية تتطلب قراءة دقيقة للتطورات قبل اتخاذ أي خطوة.
ومع ذلك، يتفق كثيرون على أن الأردن لم يسع يوماً إلى لعب أدوار صدامية في المنطقة، بل حاول أن يقدم نموذجاً مختلفاً يقوم على الدبلوماسية والحوار وإدارة المصالح. وهذا الخيار، رغم أنه قد يبدو للبعض أقل صخباً من سياسات المواجهة، إلا أنه كان في كثير من الأحيان أحد أسباب بقاء الدولة خارج دوائر الانهيار التي شهدتها دول أخرى في الإقليم.
وسط هذا الجدل، تبرز حقيقة واحدة تكاد تجمع عليها معظم الآراء: الأردن لم يكن صدفة على الخريطة السياسية للمنطقة. فبقاؤه واستقراره ارتبطا بقدرة الدولة على قراءة اللحظة الإقليمية والتعامل معها بقدر من البراغماتية السياسية التي تحاول الحفاظ على التوازن في إقليم فقد كثيراً من توازنه.
ويبقى السؤال الذي يتكرر في النقاشات السياسية: هل صمود الأردن مجرد استثناء في منطقة مضطربة، أم أن سر التجربة الأردنية يكمن في عقل سياسي اختار إدارة العاصفة بدلاً من الاصطدام بها؟