“لو كان الفقر رجلاً لقتلته”… قصة إفطار كشفت معاناة أسرة في عين البيضاء

mainThumb

13-03-2026 01:46 AM

printIcon

أخبار اليوم - في واحدة من القصص الإنسانية التي تكشف حجم المعاناة الصامتة لبعض الأسر، روى أحد المشاركين في مبادرات إعداد موائد الإفطار خلال شهر رمضان موقفاً مؤثراً حدث معه في أول أيام العمل العام الماضي، حين قادته الصدفة إلى اكتشاف واقع أسرة كانت تستعد للإفطار بما لا يتجاوز خبزاً وبندورة.

وفيما يلي القصة على لسان المتحدث:

في أول يوم لنا بإعداد موائد الإفطار خلال شهر رمضان في العام الماضي، حصل موقف بقي عالقًا في ذاكرتي ولن أنساه ما حييت. كنا قد جهزنا وجبات الإفطار وبدأنا بتوزيعها على عدد من الأسر التي اعتدنا إيصال الطعام إليها. كان من بينهم رجل يسكن في منطقة عين البيضاء، رجل بسيط نعرفه جيدًا ونحرص دائمًا على أن تصل حصته إليه.

في ذلك اليوم حاولت الاتصال به أكثر من مرة لأخبره بأن الإفطار سيصله كالمعتاد، لكن هاتفه كان مغلقًا. لم يكن له أقارب قريبون يمكن التواصل معهم، ومع انشغالنا في أول تجربة لنا بتنظيم الإفطار وتوزيعه، مرّ الوقت سريعًا ونسيت الموضوع مؤقتًا، رغم أن حصته بقيت محفوظة.

في نهاية اليوم قال لي أحد الإخوة المسؤولين عن التوزيع إن وجبة هذا الرجل ما زالت موجودة ولم يأتِ لأخذها. شعرت أن عليّ أن أوصلها بنفسي ما دام لم يتمكن من الحضور. أخذت الوجبة ومعها بعض اللبن والفواكه وتوجهت إلى بيته.

طرقت الباب فخرج الرجل، رجل طيب تبدو عليه ملامح التعب. سلمته الطعام وبدأت أعتذر له كثيرًا لأننا تأخرنا ولم نستطع التواصل معه. كان يجيبني بهدوء: “لا يا أستاذ، ما في مشكلة”، لكنه بدا مهمومًا بطريقة لفتت انتباهي. ظننت أن اعتذاري ربما لم يكن كافيًا، فأعدت الاعتذار مرة أخرى.

عندها قال لي فجأة: “دقيقة… خليك مكانك”. دخل إلى البيت قليلًا، ويبدو أنه أبعد أبناءه وزوجته عن المكان، ثم عاد وقال لي: “تفضل ادخل”.

ظننت في البداية أنه يريد أن يضيفني أو يجاملني، فقلت له إن لدي التزامات وأناسًا بانتظاري. لكنه قال لي: “يا أستاذ… أنت ما بتاكل من أكلنا؟”.

دخلت معه، وما إن وقعت عيني على ما كان موضوعًا على الأرض حتى شعرت بأن قلبي توقف لحظة. كان إفطارهم بسيطًا للغاية: صحن صغير من البندورة المقطعة مع البيض المقلي، وأربعة أرغفة خبز، وأربع علب عصير نصفها فارغ. هذا كل ما كان لديهم ليفطروا عليه.

نظر إليّ وقال بهدوء ممزوج بالامتنان: “يا أستاذ… عن شو بتعتذر؟ هذا فطورنا. الله يجزي الخير كل واحد تبرع، وكل حبة رز وصلت إلنا. أنت اليوم أنقذتني”.

ثم أضاف: “اليوم جاب لي فاعل خير دلو بندورة من الغور، وكنت ناوي أفطر عليه لحدود نصف رمضان. كنت قاعد أفكر كيف بدي أجيب خبز لبكرا عشان آكل معه. والآن أنت جبت رز ودجاج ولبن وفواكه… أولادي اليوم رح يأكلوا أكل حقيقي”.

في تلك اللحظة لم أتمالك نفسي. جلست على الأرض وأنا أشعر بقشعريرة في جسدي. تذكرت قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لو كان الفقر رجلاً لقتلته”. أدركت حينها أن ما نقوم به ليس مجرد توزيع طعام، بل هو مسؤولية إنسانية كبيرة.

قلت له يومها: “من اليوم فصاعدًا لن تكون مجرد حصة طعام. سنأتيك يوميًا، وستأخذ ما تحتاجه لتطبخ في بيتك”.

كانت تلك القصة واحدة من اللحظات التي غيرت نظرتي للأمور. ظننت في البداية أنها حالة واحدة فقط، لكن مع مرور الأيام اكتشفنا أن خلف الأبواب عشرات القصص المشابهة… قصص قد لا نراها، لكنها موجودة بيننا.