"لو هاي بنته… المصيبة أكبر!" هل تبرر الأبوة العنف في حادثة اعتداء سائق على طفلته؟

mainThumb
"لو هاي بنته… المصيبة أكبر!" هل تبرر الأبوة العنف في حادثة اعتداء سائق على طفلته؟

17-03-2026 04:56 PM

printIcon

أخبار اليوم - ساره الرفاعي 

حادثة اعتداء سائق حافلة مدرسية على طفلة في عمّان، والتي تبيّن لاحقاً أنها ابنته، أعادت فتح نقاش مجتمعي واسع حول حدود السلطة الأبوية، وتعنيف الأطفال، ودور الدولة في التدخل داخل ما يُعرف تقليدياً بـ"الشأن العائلي". فبينما أعلنت مديرية الأمن العام إلقاء القبض على السائق وتحويله للجهات المختصة ولمتابعة حالة الطفلة عبر إدارة حماية الأسرة، انقسمت آراء المواطنين والمراقبين بين من يرى أن ما جرى جريمة تستوجب العقاب الرادع، ومن يعتبر أن الملابسات الأسرية والضغوط المعيشية يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار.

في الشارع الأردني، عبّر كثيرون عن صدمتهم من المشهد الذي انتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، معتبرين أن ما حدث يتجاوز حدود التأديب إلى العنف الصريح. يقول أحد المواطنين إن “مشهد الاعتداء في العلن مؤشر خطير، لأن من يفعل ذلك أمام الناس قد يكون أكثر قسوة خلف الأبواب المغلقة”، فيما ترى سيدة أخرى أن “الصدمة الأكبر ليست في الضرب فقط، بل في كونه حدث أمام زميلاتها، ما قد يترك أثراً نفسياً عميقاً على الطفلة”.

في المقابل، برزت أصوات تدعو إلى التريث وعدم إصدار أحكام قاسية، حيث اعتبر البعض أن الأب “قد يكون تحت ضغط اقتصادي أو نفسي شديد”، وأن “العصبية قد تدفع الإنسان لتصرفات يندم عليها لاحقاً”، محذرين من أن سجن المعيل قد ينعكس سلباً على الأسرة بأكملها. ويذهب آخرون إلى القول إن “المجتمع أصبح سريعاً في الإدانة تحت تأثير مواقع التواصل”، داعين إلى “فهم السياق الكامل قبل المطالبة بعقوبات مشددة”.

هذا الانقسام يعكس جدلاً أعمق في المجتمع الأردني حول مفهوم التربية وحدودها. فبينما لا يزال بعض المواطنين يرون أن للأب سلطة واسعة في تأديب أبنائه، يؤكد مختصون في علم الاجتماع وعلم النفس أن هذا المفهوم لم يعد مقبولاً في ظل تطور التشريعات وازدياد الوعي بحقوق الطفل. ويقول أحد المختصين إن “العنف، حتى لو كان من أحد الوالدين، يترك آثاراً نفسية طويلة الأمد، وقد يؤدي إلى اضطرابات سلوكية وفقدان الثقة بالنفس”، مشدداً على أن “التربية الحديثة تقوم على الحوار لا الضرب”.

من جهتهم، يشير مراقبون قانونيون إلى أن القوانين الأردنية تجرّم الإيذاء الجسدي، بغض النظر عن صلة القرابة، مؤكدين أن تحويل القضية إلى إدارة حماية الأسرة يعكس توجهاً رسمياً للتعامل مع مثل هذه الحوادث ضمن إطار حماية الطفل لا مجرد العقوبة. ويضيف أحدهم أن “الدولة باتت تتدخل بشكل أكبر في قضايا العنف الأسري، خاصة عندما تصبح القضية رأياً عاماً”.

لكن في المقابل، طُرحت تساؤلات حول دور الجهات الرسمية في الوقاية، وليس فقط الاستجابة بعد انتشار الفيديو. حيث تساءل بعض المواطنين عن غياب الرقابة على وسائل نقل الطلبة، داعين إلى تنظيم هذا القطاع بشكل أكثر صرامة لضمان سلامة الأطفال، معتبرين أن “الحادثة تكشف خللاً أكبر من مجرد تصرف فردي”.

وبين المطالبين بعقوبة رادعة لحماية الأطفال وردع أي سلوك مشابه، والداعين إلى معالجة القضية ضمن سياقها الأسري والاجتماعي، تبقى الطفلة محور القصة، وسط تأكيدات رسمية بمتابعة حالتها لضمان عدم تعرضها للأذى مستقبلاً. وفي ظل هذا الجدل، يبدو أن الحادثة تجاوزت كونها واقعة فردية لتتحول إلى مرآة تعكس تحولات المجتمع الأردني في نظرته إلى العنف الأسري، وحدود السلطة الأبوية، ومسؤولية الدولة في حماية الفئات الأكثر هشاشة.