أخبار اليوم - في أحد مخيمات النزوح المكتظة بالخيام والوجع، تُنادى الرضيعة ريما تامر عرفات، ذات الأشهر الخمسة، باسم لا يشبه طفولتها ولا عمرها الصغير، بل باسم ثقيل التصق بها منذ لحظاتها الأولى: “القصة الحزينة”، وكأن الحزن سبقها إلى الحياة واستقر في تفاصيلها قبل أن تنطق.
ريما لم تسمع يوماً صوت والدها، ولم تُحمل بين ذراعيه، ولم يهمس في أذنها بالأذان، ولم يضمها كما ينتظر الآباء لحظة ولادة أطفالهم. كان ينتظرها بشوق امتد لعشر سنوات، يرسم ملامحها في خياله، ويعدّ الأيام لاحتضانها، لكنه رحل قبل أن تتحقق تلك اللحظة.
والدتها سعدية (26 عاماً) تجلس داخل خيمتها المتواضعة، تحتضن صغيرتها وتقاوم ما تبقى من ألم الفقد، وتقول لصحيفة "فلسطين" بصوت يختلط فيه الحنين بالحسرة: "الفرحة لم تكتمل… زوجي كان ينتظر هذا الحمل منذ عشر سنوات من الزواج، وكان يحلم بيوم يضمها بين ذراعيه، لكنه استشهد قبل أن يراها".
وتضيف لصحيفة "فلسطين" أن زوجها تامر كان يرى في الحمل بداية حياة جديدة، وتعويضاً عن سنوات الانتظار الطويلة، وكان يعدّ الأيام وصولاً إلى لحظة الولادة، كأنها موعد مع الفرح المؤجل، قبل أن تنقطع الطريق فجأة.
لحظة الرحيل
تعود تفاصيل الفقد إلى يوم الجمعة 12 أيلول/سبتمبر 2025، حين خرج تامر برفقة شقيق زوجته إلى منزلهم في حي الزيتون، الذي نزحوا منه سابقاً بسبب القصف الإسرائيلي، بهدف إحضار بعض الاحتياجات والملابس، في زيارة بدت عابرة وسريعة.
لكن المكان لم يعد آمناً، ولا الحياة كما كانت.
وتروي سعدية تلك اللحظات بمرارة: "أثناء وجودهم هناك وقع قصف قريب، فخرجوا لإسعاف المصابين أو انتشال الشهداء، لكن صاروخاً آخر استهدف المكان، فاستشهدوا على الفور".
وتقول إنها كانت في شهرها السابع حينها، تنتظر عودة زوجها محملاً بما يحتاجونه، ليكمل معها رحلة الاستعداد لقدوم طفلتهما الأولى، لكن الخبر جاء ثقيلاً وقاسياً، ليعلن أن الأب الذي حلم بابنته لن يراها أبداً.
طفلة وُلدت على الغياب
وتضيف وهي تنظر إلى ريما: "كان يحلم باليوم الذي يراها فيه ويضمها بين ذراعيه… كانت أمنية حياته".
ولدت ريما بعد استشهاد والدها، لتفتح عينيها على عالم غاب عنه أهم من كان ينتظر قدومها. كبرت أشهرها الأولى داخل خيمة نزوح، لا في منزل كان والدها يحلم أن يملأه ضحكاً، وتعيش اليوم مع والدتها التي فقدت الزوج والسند والرفيق، وتواجه وحدها أعباء الحياة وتربية طفلة تحتاج لكل شيء.
تقول سعدية: "لا أريد شيئاً لنفسي، كل ما أريده أن تعيش ريما بكرامة، وأن أستطيع توفير احتياجاتها وتربيتها".
في المخيم، تمر النساء على الصغيرة، يحملنها ويقبلنها، ثم يرددن بحزن: "هذه هي القصة الحزينة". لكن ريما، بملامحها البريئة، تبدو كأنها ترفض هذا اللقب، وتتمسك بحقها في حياة تشبه الأطفال لا المآسي.
وربما يأتي يوم تكبر فيه، وتسأل عن والدها، فتخبرها أمها أنه أحبها قبل أن يراها، وانتظرها عشر سنوات، وحلم بها حتى اللحظة الأخيرة، وأن غيابه لم يكن اختياراً، بل قسوة حرب سرقت أول حضن، وسرقت منها أول كلمة: “بابا”.
فلسطين أون لاين