د. بثينة المحادين
في الوقت الذي يتم به إطلاق مشروع السردية الأردنية وتوثيقها وكذلك الهوية الثقافية، يبرز سؤال أكثر إلحاحاً من مجرد تمثيل هذه السرديات: ليس من يحق له التعبير عنها، بل كيف تُقدَّم، وبأي معايير تصل إلى الجمهور.
في عمله الأخير، حاول عمر العبداللات الاقتراب من اللهجة الكركية،او الجنوبية ، وهي لهجة تحمل امتداداً اجتماعياً وثقافياً عميقاً لا يمكن اختزاله في مفردات أو نبرة صوت. الفكرة من حيث المبدأ ليست موضع إشكال، بل يمكن اعتبارها محاولة للتنوع الفني، لكن الإشكال الحقيقي ظهر في طريقة البناء اللغوي للأغنية.
الكلمات في النص بدت وكأنها تعتمد على إبراز اللهجة أكثر من توظيفها. فبدلاً من أن تكون المفردة جزءاً من سياق طبيعي، تحولت إلى عنصر مستقل يُلفت الانتباه بذاته. عبارات مثل "وعلامِكِي" و"وشلونِكِي" لم تُقدَّم كجزء من نسيج لغوي حي، بل كإشارة مباشرة إلى "الاختلاف اللهجي"، وهو ما أفقدها جزءاً من عفويتها، وجعل النص أقرب إلى المحاكاة منه إلى التعبير.
المشكلة هنا لا تتعلق بالمفردات بحد ذاتها، بل بكيفية اشتغالها داخل البناء الغنائي. فاللهجة عندما تُستخدم بشكل واعٍ، لا تُشعر المستمع بأنها "موجودة"، بل تجعله يتفاعل مع المعنى دون أن يلتفت إلى أداة التعبير. أما عندما تصبح اللهجة هدفاً في حد ذاتها، فإنها تفقد وظيفتها الطبيعية كوسيط، وتتحول إلى عنصر استعراضي.
هذا يقود إلى سؤال أوسع: لماذا لا تزال الأغنية تُقدَّم دون معايير واضحة تضبط شكلها ومحتواها، خصوصاً عندما تتعامل مع عناصر الهوية؟ فكما أن المقال يخضع لمعايير تحريرية، وكما أن المحتوى الرقمي أصبح محكوماً بضوابط نشر، فإن النص الغنائي أيضاً بحاجة إلى إطار يوازن بين الحرية الفنية والمسؤولية الثقافية.
غياب هذه المعايير لا يعني حرية إبداعية مطلقة، بل يفتح الباب أمام تفاوت كبير في جودة التقديم، خصوصاً عندما يتعلق الأمر باللهجات أو الرموز الثقافية. في هذه الحالة، لا تكون المشكلة في التجريب، بل في غياب الحد الأدنى من الحساسية تجاه ما يُقدَّم وكيف يُقدَّم.
وعند المقارنة، نجد أن هناك أعمالاً غنائية نجحت في توظيف اللهجات المحلية دون أن تقع في فخ الاستعراض. في تلك الأعمال، لا تظهر اللهجة كعنصر منفصل، بل تذوب داخل السياق الشعوري للنص، بحيث يشعر المستمع بأنها جزء طبيعي من التجربة، لا إضافة مقصودة لإثبات الهوية.
الفرق الجوهري بين الحالتين هو أن النجاح الفني لا يتحقق بكثرة العلامات اللغوية المحلية، بل بقدرة النص على إخفاء أدواته. كلما اختفت اللهجة داخل البناء، زادت قوتها التعبيرية. وكلما برزت كعنصر مستقل، ضعفت قدرتها على الإقناع.
هنا تتضح الحاجة إلى إعادة التفكير في "معايير الأغنية"نفسها. ليس من باب تقييد الفن، بل من باب تنظيم أثره. فالكلمة المغنّاة ليست نصاً عابراً، بل مادة تُحفظ وتُتداول وتؤثر في الوعي الجمعي، وبالتالي فإن مسؤوليتها لا تقل عن أي نص منشور يخضع للقراءة العامة.
النقد هنا لا يستهدف شخصاً، بل يفتح نقاشاً ضرورياً حول الفجوة بين الفكرة والتنفيذ، بين الهوية كما تُفهم، والهوية كما تُقدَّم. وإذا كان هناك جدل حول هذا العمل، فهو في جوهره ليس حول اللهجة فقط، بل حول كيفية تحويل الهوية إلى مادة فنية دون فقدان معناها.
في النهاية، يبقى جوهر النقاش مفتوحاً:
هل يكفي أن نحمل الهوية إلى الأغنية، أم أن الأهم هو كيف نحملها دون أن نفقد معناها في الطريق؟
فالقضية ليست في تجربة فنية بعينها ،ولا في لهجة تُستخدم هنا أو هناك،بل في السؤال الأعمق الذي نتجنب طرحه يإستمرار: هل ما يُقدَّم لنا اليوم يُبنى وفق وعي فني ومعايير واضحة ،أم وفق اجتهادات فردية قد تُصيب المعنى أو تُربكه؟