الأردن .. جريمة مخدرات كل 23 دقيقة و51 ثانية خلال 2025

mainThumb
الأردن.. جريمة مخدرات كل 23 دقيقة و51 ثانية خلال 2025

27-04-2026 12:21 PM

printIcon

قراءة تحليلية في التقرير الإحصائي الجنائي
بقلم: عقيد متقاعد محمد جميل الخطيب


لا يمكن التعامل مع الأرقام الواردة في التقرير الإحصائي الجنائي الصادر عن مديرية الأمن العام بوصفها مجرد بيانات رقمية عابرة، بل هي مؤشرات عميقة تستحق قراءة تحليلية مسؤولة، تكشف طبيعة الظاهرة واتجاهاتها، وتفتح الباب أمام نقاش وطني جاد حول سبل المواجهة.
وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى الجهود الكبيرة التي تبذلها إدارة مكافحة المخدرات، سواء على المستوى العملياتي أو الاستخباري أو التوعوي. فقد شهدت الفترة الماضية تكثيفاً للضربات الاستباقية ضد الشبكات الإجرامية، وتطويراً في أدوات الرصد والتحليل، إلى جانب حملات توعية استهدفت المدارس والجامعات والمجتمع المحلي، في محاولة لمعالجة جذور المشكلة لا مظاهرها فقط. كما يبرز الاهتمام والمتابعة الحثيثة من سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد الذي يولي هذا الملف أولوية واضحة ضمن رؤية شمولية تجمع بين الأمن والوقاية والتنمية.


اتجاه عام إيجابي… لكنه غير حاسم
تشير الأرقام إلى تراجع إجمالي جرائم المخدرات بنسبة 12.78%، وهو مؤشر إيجابي يعكس فاعلية نسبية للجهود الأمنية والتوعوية، خاصة مع انخفاض جرائم الاتجار بنسبة أكبر بلغت 18.69%.
لكن، وبالمقابل، فإن تسجيل 22031 جريمة خلال عام واحد يعني أننا ما زلنا أمام حجم مرتفع من الجرائم، ما يدل على أن المشكلة لم تُحل، بل جرى احتواؤها جزئياً.


التعاطي… جوهر التحدي الحقيقي
أخطر ما يكشفه التقرير أن 71.35% من الجرائم هي حيازة وتعاطٍ، وهي نسبة مرتفعة تعكس أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بشبكات التهريب أو الاتجار، بل باتت مرتبطة بسلوك مجتمعي قائم.


هذا يعني بوضوح:
• أن الطلب على المخدرات لا يزال مرتفعاً
• وأن المعالجة الأمنية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها
بمعنى آخر، نحن نحقق تقدماً في مواجهة “المروجين”، لكننا لم نحسم بعد معركة “المتعاطين”.
المؤشر الزمني… تحسّن نسبي وقلق مستمر
رغم تراجع المعدل الزمني للجريمة إلى جريمة كل 23 دقيقة و51 ثانية، مقارنة بالعام السابق، إلا أن هذا الرقم لا يزال يعكس انتشاراً واسعاً للظاهرة.


عملياً، هذا يعني:
• أكثر من جريمتين في الساعة
• وما يزيد عن 60 جريمة يومياً
وهو ما يؤكد أن القضية ليست حالات فردية، بل ظاهرة تحتاج إلى معالجة شاملة.
البعد الجغرافي… انتشار على مستوى المملكة
تصدّر إقليم العاصمة عدد الجرائم بـ 9546 جريمة، وهو أمر متوقع نسبياً بحكم الكثافة السكانية وطبيعة النشاط الاقتصادي.
لكن توزيع الجرائم على مختلف الأقاليم، وبأرقام مرتفعة نسبياً، يشير إلى أن الظاهرة ليست محصورة في منطقة معينة، بل ممتدة على مستوى المملكة، ما يتطلب سياسات وطنية متكاملة.
الأحداث… إنذار مبكر لمستقبل مقلق
ثبات عدد الجرائم المرتكبة من قبل الأحداث عند 169 جريمة لا يمكن اعتباره مؤشراً إيجابياً بالكامل، خاصة أن:
• جرائم الاتجار انخفضت
• بينما جرائم التعاطي ارتفعت بنسبة 8.65%
وهذا يعني أن الفئة الأصغر سناً بدأت تنخرط بشكل أكبر في التعاطي، وهو ما يشكّل خطراً مستقبلياً إذا لم تتم معالجته مبكراً.

الأجانب… تراجع كلي مع مؤشرات نوعية
انخفضت الجرائم المرتكبة من قبل الأجانب بنسبة 9.36%، مع تراجع في التعاطي، لكن في المقابل ارتفعت جرائم الاتجار بينهم بنسبة 7.41%.
وهذا قد يشير إلى تحولات في طبيعة النشاط الإجرامي، نحو أنماط أكثر تنظيماً واحترافية، ما يتطلب متابعة أمنية دقيقة ومستمرة.
ماذا تقول هذه الأرقام؟
يمكن تلخيص دلالات التقرير في ثلاث نقاط رئيسية:
1. الجهد الأمني حقق نتائج ملموسة، خصوصاً في ملاحقة شبكات الاتجار
2. المشكلة تحوّلت إلى طلب داخلي، حيث يشكّل التعاطي التحدي الأكبر
3. المعركة القادمة هي مع الوعي، وليس مع الجريمة فقط
رسالة إلى الدولة والمجتمع… المسؤولية مشتركة


إن قراءة هذا التقرير تضع أمام الدولة الأردنية بمختلف مؤسساتها، والحكومة، ومنظمات المجتمع المدني مسؤولية جماعية لا تحتمل التأجيل. المطلوب اليوم ليس فقط الاستمرار في الجهد الأمني، بل الانتقال إلى مقاربة وطنية شاملة تقوم على التكامل بين الوقاية والعلاج والتمكين.
فالدولة مدعوة إلى تعزيز السياسات التي تربط بين التعليم وسوق العمل، وتوسيع برامج التدريب والتشغيل، ومعالجة العوامل الاقتصادية التي تدفع بعض الشباب نحو التعاطي. والحكومة مطالبة بتطوير استراتيجية وطنية متعددة الأبعاد، تدمج الصحة النفسية، والإرشاد الأسري، والإعلام المسؤول، ضمن إطار واحد واضح وقابل للتنفيذ.


أما منظمات المجتمع المدني، فهي شريك أساسي في هذه المعركة، من خلال الوصول إلى الفئات الأكثر عرضة للخطر، وتنفيذ برامج توعوية نوعية، وبناء مبادرات شبابية قادرة على خلق بدائل إيجابية.
وفي المحصلة، فإن مواجهة المخدرات لا يمكن أن تكون مسؤولية جهة واحدة، بل هي قضية وطنية تتطلب تضافر الجميع… لأن حماية شبابنا اليوم، هي حماية لمستقبل الأردن غداً