الكويت والبحرين في مرمى النيران الإيرانية .. هل بدأ رسم الشرق الأوسط الجديد؟

mainThumb
الكويت والبحرين في مرمى النيران الإيرانية… هل بدأ رسم الشرق الأوسط الجديد؟

03-06-2026 03:53 PM

printIcon

صالح الشرّاب العبّادي

لم تكن البيانات الخليجية المتلاحقة التي صدرت عقب التهديدات والتطورات الأخيرة مجرد مواقف دبلوماسية تقليدية، بل عكست إدراكاً متزايداً بأن المنطقة لم تغادر دائرة الخطر، وأن ما يجري ليس سوى مرحلة جديدة من صراع أكبر يتجاوز حدود المواجهة بين إيران وإسرائيل أو بين طهران وواشنطن.

فالكويت والبحرين لم تكونا الهدف المباشر بقدر ما تحولتا إلى منصة رسائل استراتيجية. الرسالة الإيرانية كانت واضحة: إذا فُرضت المواجهة على إيران فلن تبقى محصورة داخل حدودها، بل ستطال البيئة الأمنية والعسكرية التي بنتها الولايات المتحدة في الخليج طوال العقود الماضية.

ومن المحتمل أن تكون هذه الهجمات هي سعار ما قبل التهدئة او الاتفاق ، فكل طرف يحاول أن يدخل مرحلة الاتفاق وهو يحمل صورة النصر المبين امام جمهوره وشعبه .

لكن اللافت أن إيران استثمرت فترة التهدئة النسبية بطريقة مختلفة. فبدلاً من الانكفاء بعد الضربات والضغوط، عملت على إعادة تنظيم أوراقها السياسية والعسكرية، وأعادت تقديم نفسها طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مقبلة. ومن هنا جاءت التهديدات المتعلقة بالممرات البحرية، سواء عبر مضيق هرمز أو من خلال الحديث عن إمكانية توسيع نطاق التوتر ليشمل باب المندب، وهي أوراق تدرك طهران أن تأثيرها يتجاوز البعد العسكري ليصل إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.

في الوقت ذاته، حاولت إيران ربط ملفات متعددة ببعضها البعض. فلبنان لم يعد ملفاً منفصلاً عن المفاوضات الأمريكية الإيرانية، بل أصبح جزءاً من شبكة الضغوط المتبادلة. وكلما تعثرت المفاوضات ارتفع منسوب التوتر في الجبهات الإقليمية، الأمر الذي يفسر حالة الارتباك المتزايدة داخل إسرائيل التي كانت تراهن على أن الحرب الأخيرة ستفتح الطريق أمام إعادة تشكيل المنطقة وفق رؤيتها الأمنية ، وهذا أدى الى تفاقم العلاقات إلى الأسوأ فيما بين ترامب ونتنياهو، الذي هدفه احباط اي محاولات لاتفاق سلام لا يحقق نتائج او اهداف استراتيجية لنتنياهو بعد كل هذه الحرب او الحروب الطويلة التي يخوضها ..

الواقع يبدو أكثر تعقيداً. فالمشروع الذي روجت له حكومة نتنياهو باعتباره مدخلاً إلى “شرق أوسط جديد” يواجه اليوم تحديات متزايدة، ليس فقط من إيران وحلفائها، بل أيضاً من دول إقليمية كبرى بدأت تدرك أن أي إعادة رسم للمنطقة لا يمكن أن تتم وفق الرؤية الإسرائيلية وحدها.

ومن هنا يمكن فهم حالة التباين المتزايدة بين الحسابات الأمريكية والإسرائيلية. فالولايات المتحدة تبحث عن مخرج يحفظ صورتها وهيبتها الاستراتيجية ويمنع تحول الصراع إلى استنزاف مفتوح، بينما تسعى إسرائيل إلى منع أي اتفاق يمنح إيران فرصة إعلان الصمود أو الادعاء بتحقيق مكاسب سياسية.

وفي المقابل، تعمل طهران على الاحتفاظ بأوراق الضغط الإقليمية التي تمتلكها، سواء عبر نفوذها السياسي أو عبر القوى الحليفة المنتشرة في أكثر من ساحة والتهديد باغلاق المضائق والتي تهدد بانهيار الاقتصاد العالمي . وهي تدرك أن التخلي عن هذه الأوراق سيعني خسارة جزء مهم من قدرتها على التفاوض وعلى فرض نفسها لاعباً أساسياً في معادلات المنطقة.

أما على الأرض، فإن المؤشرات العسكرية لا تعكس أجواء التسويات التي تتحدث عنها التصريحات السياسية. فالعقوبات الاقتصادية مستمرة، والانتشار العسكري لم يتراجع بصورة جوهرية، والاستعدادات الدفاعية والهجومية لم تتوقف، ما يعني أن الحديث عن سلام قريب يبدو سابقاً لأوانه.

ولهذا فإن توصيف المرحلة بأنها “لا حرب ولا سلام” لم يعد دقيقاً بالكامل، لأن الحرب بأشكالها المختلفة ما زالت مستمرة. الفرق الوحيد أنها انتقلت من المواجهة العسكرية المباشرة إلى ميادين الاقتصاد والاستخبارات والضغوط السياسية وإعادة التموضع الاستراتيجي.

الخطأ الأكبر الذي يقع فيه كثير من المحللين هو حصر الأزمة في الملف النووي الإيراني. فالقضية اليوم لم تعد قضية تخصيب يورانيوم أو نسب تخصيب أو رقابة دولية فقط، بل أصبحت معركة على النفوذ وعلى شكل النظام الإقليمي القادم.

فالولايات المتحدة لا تستطيع تحمل صورة الانسحاب أو الفشل بعد سنوات طويلة من الاستثمار العسكري والسياسي في المنطقة، وإسرائيل ترى أن أي اتفاق لا يحد من النفوذ الإيراني يمثل انتكاسة لمشروعها الاستراتيجي، بينما تعتبر إيران أن التخلي عن عناصر قوتها يعني القبول بتراجع دورها الإقليمي لعقود قادمة.

في المقابل، برزت أدوار إقليمية أكثر تأثيراً باتت كحائط صد كبير لطموحات نتنياهو ، وهي دول تدرك أن استمرار الصراع المفتوح لن ينتج منتصراً حقيقياً، بل سيهدد استقرار المنطقة بأكملها ويضع اقتصادها وأمنها أمام تحديات غير مسبوقة.

لذلك فإن السؤال المطروح اليوم ليس من ربح الجولة الأخيرة ومن خسرها، بل من سيمتلك القدرة على صياغة قواعد اللعبة الجديدة في الشرق الأوسط.

فالمشهد الحالي لا يشبه نهاية حرب، بل يشبه مرحلة إعادة تموضع كبرى تستعد فيها جميع الأطراف لجولة سياسية واستراتيجية جديدة قد تكون أكثر تأثيراً من الجولات العسكرية نفسها.

وحتى تتضح ملامح تلك المرحلة، ستبقى المنطقة تعيش فوق فوهة بركان هادئ ظاهرياً، بينما تستمر القوى الإقليمية والدولية في إعادة رسم خرائط النفوذ وموازين القوة، بانتظار لحظة الحسم التي ستحدد شكل الشالأوسط لعقود قادمة.