أخبار اليوم - تالا الفقيه - مع انتهاء الامتحانات وإعلان بداية العطلة الصيفية، تتكرر في مدارس عديدة مشاهد اعتادها الطلبة والمعلمون وأولياء الأمور على حد سواء؛ كتب مدرسية ممزقة تتناثر في الساحات، وأوراق تتطاير في الهواء وسط هتافات تعبر عن فرحة انتهاء عام دراسي طويل. ورغم أن هذه الظاهرة أصبحت بالنسبة للبعض جزءاً من طقوس نهاية العام، فإنها تثير في كل مرة جدلاً واسعاً حول دلالاتها وأسباب استمرارها، كما تطرح تساؤلات بشأن أصل هذه العادة وما إذا كانت مجرد وسيلة للاحتفال أم مؤشراً على خلل أعمق في العلاقة بين الطالب والكتاب.
ويقول مراقبون إن عادة تمزيق الكتب المدرسية ليست مرتبطة بمجتمع أو دولة بعينها، بل ظهرت منذ عقود في بيئات تعليمية مختلفة حول العالم باعتبارها شكلاً من أشكال التعبير عن التحرر من ضغوط الدراسة والاختبارات. ومع مرور الوقت، تحولت لدى بعض الطلبة إلى سلوك متوارث ينتقل من جيل إلى آخر، حتى بات كثير من الطلاب يمارسونه تقليداً لزملائهم السابقين دون معرفة خلفياته أو أسبابه الحقيقية.
الطالب محمود، الذي أنهى للتو امتحاناته النهائية، يرى أن ما يحدث لا ينبغي تضخيمه أكثر من اللازم. ويقول إن الطلبة يعيشون طوال العام تحت ضغوط الدروس والواجبات والاختبارات، وعندما تنتهي تلك المرحلة يشعرون بحاجة إلى التعبير عن فرحتهم بطريقة جماعية. ويضيف: "لا أحد يفكر وقتها في قيمة الورق أو الكتاب، بل في الشعور بالراحة بعد أشهر من التوتر".
لكن هذا الرأي لا يحظى بإجماع الجميع. فالمعلمة إيمان، التي أمضت أكثر من عشرين عاماً في قطاع التعليم، ترى أن مشهد تمزيق الكتب يحمل رسالة سلبية تتجاوز مجرد الاحتفال. وتقول إن الكتاب ليس مجرد أوراق مرتبطة بالامتحانات، بل هو وعاء للمعرفة، وإن التعامل معه بهذه الطريقة يثير القلق بشأن نظرة بعض الطلبة إلى التعليم نفسه.
ويذهب مختصون في التربية إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن الظاهرة تعكس أحياناً طبيعة العلاقة التي يبنيها النظام التعليمي بين الطالب والكتاب. ويقول الخبير التربوي الدكتور سامر الخطيب إن كثيراً من الطلبة ينظرون إلى الكتاب المدرسي باعتباره أداة للحصول على الدرجات فقط، لا مصدراً للمعرفة أو التفكير. ويرى أن الكتاب يفقد قيمته لدى بعضهم بمجرد انتهاء الامتحان لأن العملية التعليمية ركزت على الحفظ والاختبار أكثر من تنمية حب التعلم والقراءة.
في المقابل، يرفض بعض الطلبة تحميلهم المسؤولية كاملة عن الظاهرة. ويقول الطالب الجامعي عمر، مستذكراً سنواته المدرسية، إن المناهج المكثفة والضغوط المستمرة تجعل الكتاب بالنسبة للعديد من الطلاب رمزاً للإرهاق والتوتر. ويضيف أن تمزيقه في نهاية العام لا يعني بالضرورة رفض العلم أو التقليل من شأنه، بل قد يكون تعبيراً عن الرغبة في التخلص من مرحلة مليئة بالضغوط.
ويرى أولياء أمور أن الجدل حول الظاهرة يجب أن يتناول الأسباب لا النتائج فقط. وتقول أم محمد إن أبناءها لم يمزقوا كتبهم يوماً، لكنها تتفهم دوافع بعض الطلبة. وتضيف: "ربما علينا أن نسأل لماذا يشعر الطالب بكل هذا العبء تجاه الدراسة حتى يصبح التخلص من الكتاب احتفالاً بحد ذاته".
ومن زاوية أخرى، يعتبر باحثون اجتماعيون أن الظاهرة تكشف عن تأثير ما يسمى بـ"السلوك الجمعي"، حيث يندفع الطلبة إلى تقليد بعضهم بعضاً دون تفكير كبير في النتائج. فحين يبدأ عدد من الطلاب بتمزيق الكتب، يتحول الأمر إلى مشهد جماعي يتسابق فيه الآخرون للمشاركة حتى لا يشعروا بأنهم خارج أجواء الاحتفال.
كما يلفت مختصون في الشأن البيئي إلى جانب غالباً ما يغيب عن النقاش، يتمثل في حجم الهدر الناتج عن تمزيق آلاف الكتب سنوياً. ويؤكدون أن كثيراً من هذه الكتب يمكن إعادة تدويرها أو الاستفادة منها في مبادرات تعليمية أو مجتمعية بدلاً من إلقائها في الشوارع أو حاويات النفايات.
أما المعارضون للانتقادات الموجهة للطلبة، فيرون أن الظاهرة لا تستحق كل هذا الجدل، مؤكدين أن الأجيال السابقة مارست سلوكيات مشابهة بأشكال مختلفة عند انتهاء الدراسة. ويقول أحد المواطنين إن التركيز على مشهد تمزيق الكتب قد يصرف الانتباه عن قضايا تعليمية أكثر أهمية تتعلق بجودة التعليم والمناهج وأساليب التدريس.
لكن تربويين يردون بأن المسألة ليست في عدد الكتب الممزقة أو قيمتها المادية، بل في الرمزية التي يحملها المشهد. فالكتاب، في نظرهم، يمثل المعرفة والثقافة، واحترامه جزء من بناء الوعي المجتمعي. ويؤكدون أن المجتمعات التي ترسخ قيمة العلم في نفوس أبنائها تجعل الاحتفال بنهاية الدراسة مناسبة للاحتفاء بما تم تعلمه، لا بالتخلص من أدوات التعلم نفسها.
وبين من يعتبر تمزيق الكتب تعبيراً بريئاً عن الفرح، ومن يراه سلوكاً يستدعي المراجعة والتصحيح، يستمر الجدل مع نهاية كل عام دراسي. غير أن كثيراً من المراقبين يتفقون على نقطة واحدة؛ وهي أن الظاهرة، مهما بدت بسيطة، تفتح باباً واسعاً للنقاش حول طبيعة العلاقة بين الطالب والمدرسة والكتاب، وحول قدرة المؤسسات التعليمية والمجتمع على تحويل المعرفة من واجب ثقيل إلى قيمة راسخة ترافق الإنسان طوال حياته.
ومع استعداد آلاف الطلبة لبدء عطلتهم الصيفية، يبقى السؤال مطروحاً: هل سيظل تمزيق الكتب جزءاً من طقوس نهاية العام الدراسي، أم أن الأجيال القادمة ستجد طرقاً أخرى للاحتفال لا تنتهي بأوراق متناثرة في الهواء، بل بعلاقة أكثر عمقاً واحتراماً مع الكتاب الذي رافقها طوال رحلة التعلم؟