كيف تصنع الأمم الوازنة قرارها في زمن اللايقين؟

mainThumb
كيف تصنع الأمم الوازنة قرارها في زمن اللايقين؟

05-08-2026 02:08 PM

printIcon

المهندس أحمد نضال عواد / باحث في الأمن الوطني والدراسات الاستراتيجية

في مقالينا السابقين، تحدثنا عن الأمن الوطني الشامل بوصفه منظومة متكاملة تبدأ من وعي الفرد وتنتهي بمنعة الدولة، ثم انتقلنا إلى صناعة القرار الوطني في عالم عدم اليقين، وكيف تحوّلت "السيناريوهات الحية" و"المرونة الاستراتيجية" من ترف فكري إلى ضرورة وجودية. واليوم، في المقال الثالث من هذه السلسلة، نتوقف عند سؤال أعمق: كيف تُبنى دولة وازنة، لا تكتفي برد الفعل، بل تصدر قراراتها عن عقل جامع يقرأ المستقبل قبل أن يُفاجَأ به؟

فمعادلة القوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس بحجم الترسانة العسكرية وحدها، بل بسرعة العقل الذي يديرها. فنحن نقترب اليوم مما يصفه الباحثون الاستراتيجيون بـ"الجيل الخامس" لحروب المستقبل، حيث تتقدم منظومات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والأسلحة غير المأهولة على قدرة القيادة البشرية التقليدية على المتابعة والسيطرة، وتصبح سرعة اتخاذ القرار عاملاً حاسماً لا يقل خطورة عن القوة النارية ذاتها. وهنا يبرز أحد أعمق التحديات الأخلاقية والاستراتيجية في عصرنا: كلما ازدادت القدرة التدميرية وازدادت سرعة القرار الآلي، ازدادت الحاجة إلى رقابة بشرية واعية تمنع اتخاذ قرارات "غير قابلة للعكس". فالدولة قد لا تفتقد التزامها بالقانون حين تدخل الحرب، لكنها تصبح أشد حاجة إليه، لأن نتائج القرار الخاطئ في هذا الجيل من الصراعات أكبر وأخطر من أي وقت مضى.

ومن هذا المنطلق تحديداً يتجلى مفهوم الدولة الوازنة: تلك التي توازن بين سرعة تطور الآلة وسرعة نضج الحكمة الإنسانية، وبين ضرورة الردع وضرورة ضبطه بإطار قانوني وأخلاقي صارم، وبين حتمية التسلح الذكي وحتمية بقاء الإنسان في قلب القرار لا على هامشه، مشيرين لأهمية التحالفات للدول المتوسطة والصغيرة وأهمية الاعتماد على الذات ضمن الاستراتيجية الوطنية الشاملة استعداداً لمتطلبات المستقبل.

ولأن الاستعداد لحروب المستقبل لا يبدأ من ساحة المعركة فقط، بل من "الحوكمة الاستراتيجية"، فإن عقل الدولة الحقيقي في مستوياته المتكاملة كافة سواء المستوى السياسي، والعسكري-الاستراتيجي، والعملياتي، والتكتيكي، والقانوني-الأخلاقي. وحين تتوفر قيادة سياسية قادرة على التنسيق، وآلية واضحة تضبط إيقاع القرار الاستراتيجي، ويوضع الإنسان في قلب هدف الدولة لا في هامشها، تتحول "الجاهزية اليوم" إلى "استقرار الغد" – وهي المعادلة التي تُبنى عليها كل خارطة تنمية وطنية جادة، وكل استراتيجية وطنية تمتد أفقياً حتى منتصف القرن.

ولا يكتمل الحديث عن الدولة الوازنة دون التوقف عند الردع الشامل، الذي لم يعد يقتصر على البعد العسكري، بل يمتد ليشمل الردع الاقتصادي، والسيبراني، والدبلوماسي، والإعلامي-المعلوماتي، والقانوني في المحافل الدولية. فتكامل مكونات القوة الوطنية كافة، حين يُدار بعقل واحد ورؤية موحّدة، هو ما يُترجم إلى أثر فعلي على الأرض؛ أما التشارك دون تنسيق، وضعف تبادل المعلومات، ومحدودية الموارد، فتبقى من أبرز التحديات التي تواجه أي دولة تسعى لتحقيق هذا التكامل، سواء على مستوى الدولة ذاتها أو بين شبكة حلفائها.

الأردن: نموذج إقليمي رائد في مأسسة الاستشراف
وحين ننتقل من "المعرفة" إلى "القرار"، تبرز أهمية المؤسسات البحثية ومراكز الدراسات والاستشارات بوصفها الذراع الاستشرافية لعقل الدولة. وهنا يستحق الأردن وقفة خاصة، إذ لم يكن الاستشراف الاستراتيجي بالنسبة له ترفاً مستورداً، بل تقليداً مؤسسياً عريقاً سبقت فيه المملكة كثيرًا من محيطها الإقليمي والدولي، عبر شبكة من مراكز الدراسات والاستشارات الأكاديمية والوطنية المتخصصة التي تُعنى بإنتاج المعرفة الاستشرافية قبل وقوع الحدث لا بعده، وهو ما يعكس وعيا أردنيا مبكرا بأن قوة الدولة الحقيقية تبدأ من قدرتها على قراءة المستقبل قبل أن يُقرأ عنها. وقد انتقلت هذه المعرفة الاستشرافية اليوم من الأروقة البحثية إلى قلب صناعة القرار التنفيذي، عبر وحدات متخصصة توظّف الذكاء الاصطناعي مهنياً في مؤسّسات صنع القرار بالدولة بهدف تغذية صانع القرار بالبيانات وتقييم مدى ملاءمة القرار للاحتمالات المستقبلية، وعبر المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات الذي يجسّد تحول الجاهزية من مفهوم رد الفعل إلى مفهوم الاستباق المؤسسي وغيرها.

وتتجلى هذه الرؤية الاستشرافية أيضًا في وثيقة رؤية التحديث الاقتصادي، التي انطلقت رؤيةً وطنية شاملة بمشاركة ممثلين عن مختلف فئات وقطاعات المجتمع، وتقوم على ثلاث ركائز رئيسة هي النمو الاقتصادي، وجودة الحياة، والاستدامة، تُترجَم عبر ثمانية محركات تنفيذية وأكثر من 300 مبادرة موزعة على 35 قطاعا رئيسياً وفرعياً. واللافت في هذه الرؤية أنها لم تُصمَّم كخطة جامدة، بل كخارطة طريق ممتدة عابرة للحكومات عبر ثلاث مراحل زمنية متعاقبة (2022-2025، ثم 2026-2029، ثم 2030-2033)، تُراجَع وتُحدَّث قبل نهاية كل مرحلة بما يواكب المتغيرات ويعيد ترتيب الأولويات وفق نهج تشاركي مع القطاع الخاص وجميع الفواعل المحلية – وهذا بالضبط هو جوهر "السيناريوهات الحية" التي تحدثنا عنها في مقالنا السابق: تخطيط استراتيجي حي يتنفس مع الواقع بدلاً من الوقوف متفرجاً أمامه.

كما تتجلى هذه الرؤية الاستشرافية في الاستراتيجيات الوطنية الممتدة الأخرى التي تتجاوز الأفق الزمني القصير، سواء في مجالات المياه والطاقة أو التدريب والتشغيل، وهو ما يعكس إدراكاً أردنياً بأن الأمن الوطني والمائي والغذائي والاقتصادي في إقليم شحيح الموارد لا يُبنى على رد الفعل، بل على استباق الأزمة عقوداً قبل وقوعها.

كما تتقاطع في محيطنا الإقليمي نظريات جيوسياسية كلاسيكية أُعيد توظيفها حديثا، من نظرية القوة القارية إلى نظرية القوة البحرية، وصولا إلى الجيوبوليتيك الرقمي والسيبراني الذي بات يعيد رسم موازين النفوذ من دون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة، تماما كما أشرنا في مقالنا السابق. وفي بيئة إقليمية بالغة التعقيد كهذه، تصبح قدرة الدولة على قراءة هذه التحولات وتوظيفها في استراتيجياتها الوطنية معيارا حقيقياً لرصانة عقلها الاستراتيجي.

إن الدولة الوازنة، إذن، هي التي تصدر قراراتها عن "عقل" لا عن "رد فعل"؛ عقل يجمع بين الشجاعة في اتخاذ القرار وتحمل مسؤولياته والدفاع عنه، وبين التواضع المعرفي الذي يدرك أن المعرفة متطورة لا ثابتة، وأن التعلم المستمر شرط لبقاء أي مؤسسة قادرة على القيادة. وهي الدولة التي تدرك أن التنمية الشاملة المستدامة ليست مسارا موازيا للأمن الوطني، بل وجهه الآخر؛ فلا أمن بلا تنمية، ولا تنمية بلا استقرار يصنعه عقل جامع يُحسن قراءة المتغيرات ويترجمها إلى سياسات رشيدة بحكمة.

وتبقى المملكة الأردنية الهاشمية، بقيادتنا الهاشمية الحكيمة التي طالما جسّدت معنى "عقل الدولة" في الاعتدال والحكمة واستشراف المستقبل، نموذجاً لدولة وازنة تُدرك أن قوتها الحقيقية لا تُقاس بما تملكه من موارد، بل بما تملكه من رؤية، ومؤسسات قادرة سبقت محيطها في التأسيس لثقافة الاستشراف، وأجيال واعية تحمل الأمانة وتستشرف الغد المشرق بإذن اللّه تعالى.

حفظ اللّه الأردن، قيادةً وشعبًا ومؤسسات، وجعله دائماً عقلاً رشيداً يوازن بين الحاضر والمستقبل، وبين القوة والحكمة. ولنستحضر دائمًا قوله تعالى:

﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ صدق الله العظيم.

ولنتذكر دوماً أن النجمة السباعية في علم بلادنا تستحق منا جميعاً الأفضل دائماً.