النائب السابق الدكتور محمد زريقات
لا تغتالوا خيول الوطن :-
قرأت مقال عبد الهادي راجي «الدولة التي تغتال الخيول»، وشعرت أن الكاتب لم يكن يكتب عن أسماء بعينها بقدر ما كان يكتب عن حالة أردنية تؤلم كل من يحمل في قلبه عاطفة الوطن، ويعرف معنى أن تكون الدولة بيتاً واسعاً لكل أبنائها.
أنا أتفق عبد الهادي، لا لأنني أتفق بالضرورة مع كل اسم ذكره أو مع كل توصيف أورده،
وهنا سأذكر أنني على خصومة مع عبدالكريم الدغمي ( ولكنني لا أنكره ولا أنكر مكانته ومقدرته ) وأنني على خصومة مع عبد الرؤوف الروابده ( ولكن من ينكر دولة ابو عصام هو ناكر للوطن )
بالعامية الأردنية
، (اللي بالرجال ينعد )
وإنما لأنني أؤمن بأن الأردن أكبر من أن يختصر برجال مرحلة، أو بفريق، أو بمستشار، أو بدائرة ضيقة من العلاقات والانطباعات.
هذا الوطن بُني بالفروسية قبل أن تُبنى مؤسساته.
بناه رجال كانوا يعرفون أن الدولة ليست غنيمة، وأن الموقع العام ليس مكافأة، وأن الاختلاف لا يفسد للود قضية، وأن الرجل قد يختلف مع الدولة في رأي، لكنه يبقى ابن ترابها، يحمل همّها، ويخاف عليها، ويفرح عندما تنتصر، ويتألم عندما تتعثر.
هذه هي الفروسية الأردنية التي نخشى أن نفقدها.
الفارس لا يطعن خصمه من الخلف، ولا يمحو تاريخه لأنه اختلف معه، ولا ينكر فضله لأنه لم يعد في موقع القرار. والفروسية ليست لباساً ولا صورة ولا حديثاً عن الماضي؛ الفروسية أخلاق في التعامل مع الرجال، وشهامة في الخصومة، ووفاء لمن خدم الوطن.
ولذلك فإنني أعتقد أن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة ليس أن يختلف أبناؤها، بل أن تصبح الاختلافات سبباً لإعدام الذاكرة الوطنية، وهدم للوطن .
ليس مطلوباً من الدولة أن تعيد كل من ابتعد إلى موقعه.
وليس مطلوباً أن تمنح المناصب لمن انتهت مرحلته.
لكن المطلوب ألا يتحول الرجل الذي خدم الدولة ثلاثين أو أربعين عاماً إلى مجرد اسم يطويه النسيان، وألا تصبح الخصومة السياسية حكماً نهائياً على وطنية الإنسان.
في الأردن، لدينا رجال خدموا الدولة في الجيش، وفي الإدارة، وفي البرلمان، وفي الدبلوماسية، وفي الإعلام، وفي الاقتصاد والثقافة. بعضهم أصاب وبعضهم أخطأ، وبعضهم اختلفنا معه بشدة.
لكن هؤلاء جميعاً جزء من سيرة هذا البلد.
والدولة التي تحترم نفسها لا تمزق سيرة فرسانها ، لأنهم سيرة الوطن .
نحن بحاجة اليوم إلى استعادة مفهوم رجال الدولة ( قرامي البلد )
( قرأت قبل يومين ل معالي أمين مهنا يقول : ما ضل قرامي بالبلد ،
( معاه حق ، فالدولة للأسف نسفت مفهوم القرامي ).
على الدولة أن تسمع من يختلف معها.
أن تستدعي صاحب الخبرة حتى لو لم يكن من أهل الحظوة.
أن تستشير الذي يعرف الناس والبلاد. ( Think Tanks )
أن تستمع للعسكري الذي يعرف معنى الأمن.
أن تسمع السياسي الذي أمضى عمره في التشريع.
أن تستفيد من الدبلوماسي الذي عرف العالم وعرف الأردن.
أن تجلس إلى المثقف الذي حفظ شيئاً من روح البلاد وذاكرتها.
ليس كل هؤلاء يريدون منصباً.
بعضهم يريد فقط أن يشعر أن الدولة التي أعطاها عمره لم تنسَ أنه كان يوماً أحد رجالها, ويريد أن يعطي الوطن بدون مقابل.
عبارة «اغتيال الخيول».
فالخيل في وجداننا الأردني تشبيه ،
الخيل هي العزوة والفروسية والكرامة والشهامة.
والحصان الأصيل لا يُرمى خارج الإسطبل لأنه كبر في السن.
بل يُكرم لأنه حمل صاحبه في أيام الشدة.
هكذا يجب أن نتعامل مع رجال الدولة.
قد لا يعود الحصان إلى السباق، لكن لا يجوز أن ننسى أنه حمل الراية يوماً، وأنه خزان ومخزن للخبرة .
والأردن الذي نريده هو دائماً أكثر رحابة من الخلاف.
كان الأردن يعرف كيف يختلف، ثم يصالح، وكيف يغضب ثم يفتح الباب، وكيف يختلف الرجال على الدولة لكنهم لا يختلفون على حب الوطن وتراب الوطن.
وهذه ليست رومانسية سياسية.
بل ضرورة وطنية.
فنحن نعيش ظروفاً اقتصادية صعبة، وقلقاً اجتماعياً، وتعباً سياسياً، وثقة تحتاج إلى ترميم. وفي مثل هذه الظروف لا يجوز أن نحرق جسورنا مع أصحاب الخبرة، ولا أن نضع كل مختلف في خانة العداء.
نحتاج إلى كل عقل أردني.
نحتاج إلى صاحب التجربة، وإلى صاحب الرأي، وإلى صاحب النقد، وإلى من يعرف الدولة من داخلها، وإلى من يعرف الناس من خارج مكاتبها.
نحتاج أن نعيد للسياسة شيئاً من الشهامة الأردنية.
فالبلد ليس شركة خاصة، والسلطة ليست مجلس إدارة، والدولة ليست مجموعة أشخاص يتبادلون المواقع.
الدولة أوسع من الجميع.
والعرش أوسع من الحكومات.
والوطن أبقى من كل الأسماء.
لذلك، فإنني أؤيد صرخة عبد الهادي راجي:
لا تغتالوا خيول الوطن.
اتركوا في الميدان مساحة للرجال الذين اختلفنا معهم.
اتركوا لهم مكاناً في الذاكرة، ومقعداً في مجلس المشورة، وباباً مفتوحاً للنصيحة.
قد لا نحتاجهم كل يوم ،لكن الوطن سيحتاجهم يوماً .
وقد لا نتفق معهم في كل شيء، لكن الوطن ليس بحاجة إلى مئة رجل يقولون ( نعم ).
الوطن بحاجة إلى رجال يستطيعون أن يقولوا:
يا جماعة، انتبهوا… الطريق هذا فيه خطر.
والفروسية الحقيقية أن تسمع صوتهم.
لأن الرجل الذي يختلف معك اليوم قد يكون هو نفسه الرجل الذي يقف إلى جانبك غداً عندما تهب الريح.
وفي النهاية، ستبقى المناصب أسماء في دفاتر الدولة، وستتغير الحكومات، وسيأتي جيل بعد جيل.
أما تراب الوطن فسيبقى.
وستبقى سيرة الرجال الذين خدموه.
ولذلك، قبل أن نختلف مع رجل، فلنتذكر كم أعطى.
وقبل أن نهمشه، فلنسأل ماذا يمكن أن نتعلم منه.
وقبل أن نشطب اسمه، فلنتذكر أن التاريخ لا يُمحى بقرار، وأن الأردن ليس ذاكرة فريق، بل ذاكرة وطن.
لا تغتالوا الخيول.
فالميادين التي تُخرج خيولها كلها، لا تنتصر فيها الريح…
………..بل تسكنها الريح .