د. نوفان العجارمة
أتفق مع ما قاله سيدي صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال بأنه لا مكان لاصطلاح أو تعبير «أقليات» في الأردن، وهذا توصيف قانوني سليم من قبل سموه يتفق مع أحكام الدستور.
وقد سبق لي، وأن كتبت على هذه الصفحة بتاريخ 10/10/2021 مقالًا حول المفهوم القانوني للأقليات في قانون الانتخاب الاردني، خلصت فيه إلى أن استخدام هذا الاصطلاح لا أساس له من الدستور، وقد ورد في ذلك المقال ما يلي:
يطلق بعض السياسيين، وحتى القانونيين، تعبير «الأقليات» على بعض مكونات المجتمع الأردني لغايات تطبيق قانون الانتخاب. وهذا التعبير غير صحيح من الناحية القانونية الخالصة؛ فقد هجر المشرّع الدستوري الأردني تعبير «التمثيل العادل للأقليات» منذ عام 1952، بعد أن استُخدم هذا التعبير لأول مرة في المادة (25) من القانون الأساسي لإمارة شرق الأردن لسنة 1928، وأُعيد استخدامه في المادة (33) من الدستور الأردني لسنة 1947.
إن إغفال الدستور الأردني لسنة 1952 موضوع تمثيل الأقليات مقصود لذاته، وينطوي على حكمة معينة، تتمثل في إحلال مفهوم المواطنة، بوصفه أساسًا لتنظيم الحقوق والواجبات، محل أي مفهوم آخر، كالعرق أو الدين. فالمواطنة تصهر الفوارق الدينية والعرقية بين أفراد المجتمع، وتجعل من التركيبة الاجتماعية تركيبة متجانسة ومنتمية للدولة. لذلك، كان إغفال موضوع الأقليات في دستور سنة 1952 مقصودًا لذاته، وليس مجرد سهو أو خطأ.
إضافةً إلى ما تقدم، فإن للأقلية مفهومًا محددًا لدى فقهاء القانون الدولي؛ فبعضهم أخذ بالاتجاه العددي، الذي يحدد الأقلية بعدد أفرادها، وهو الاتجاه الذي تبنّته اللجنة الفرعية للقانون الدولي بشأن الأقليات والتمييز العنصري. ويُقصد بالأقلية، بحسب هذا المفهوم، مجموعة أصغر عددًا من باقي شعب الدولة، أو جزء من مواطنيها يختلفون عن بقية شعبها من حيث الجنس أو الدين أو اللغة، وتكون هذه المجموعة في وضع غير مسيطر. وعليه، تُستبعد من دائرة الأقلية الأقليات التي تكون في وضع مسيطر في الدولة، كالأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا، التي كانت تسيطر على الأغلبية السوداء من السكان الأصليين.
وأخذ بعضهم بالاتجاه الموضوعي، الذي ينطلق من التمايز والتباين بين أفراد شعب الدولة من حيث الجنس أو الدين أو اللغة أو الثقافة. فينصرف اصطلاح الأقلية إلى أي طائفة من البشر المنتمين إلى جنسية دولة بعينها، متى تميز أفرادها عن أغلبية المواطنين المكوّنين لعنصر السكان في تلك الدولة من حيث العنصر أو الدين أو اللغة. وهو الاتجاه الذي تبنّته محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر بشأن مدارس الأقليات في إسبانيا.
وأخيرًا، يأتي الاتجاه الشخصي؛ إذ يعتمد أنصاره، في تحديدهم لمفهوم الأقلية، على عنصر شخصي بحت، مبني على الإرادة والمشاعر، ومفاده أن منشأ وجود الأقلية هو رغبة أعضائها في صيانة معتقداتهم الشخصية التي تميزهم عن باقي المجموع، فضلًا عن ولائهم لهذه المجموعة؛ أي إن الأمر مسألة تتعلق بالمشاعر والإرادات.
وعليه، نجد أن مفهوم الأقلية، باتجاهاته المختلفة: العددي والموضوعي والشخصي، لا ينطبق على بعض فئات مواطنينا الأعزاء الذين أسهموا في بناء الدولة، وكان وجودهم أيضًا سابقًا على تأسيسها؛ فمعتقداتهم الشخصية مصونة، وهناك العديد من النصوص الدستورية التي تحقق الغايات التي ترمي فكرة الأقلية إلى تحقيقها دوليًا. فالحريات الأساسية مكفولة، كحرية العقيدة الدينية، وحرية تكوين الجمعيات، وحرية التعليم، والحق في العمل. وقد سادت في العصر الحديث أفكار مثالية، كفكرة التسامح الديني والعرقي، وطغت تلك الأفكار على المجالات كافة، واستقرت في الضمير الإنساني. وكل ذلك يندرج ضمن إطار جامع مانع يجمع جميع مواطني الدولة، ألا وهو مبدأ المساواة المنصوص عليه في المادة (6) من الدستور؛ فالأردنيون أمام القانون سواء، لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين.
لقد صاغ المشرّع الدستوري الأردني فكرة المساواة من ناحية قانونية خالصة، تقوم على أن يكون جميع أفراد المجتمع إزاء القانون في مركز واحد، دون تفرقة أو استثناء، سواء أكان هذا القانون يقرر منفعةً، أي المساواة في المنافع العامة، أم يفرض التزامًا، أي المساواة في تحمّل التكاليف العامة؛ بمعنى أن يكون القانون عامًا عموميةً مطلقةً، بحيث ينطبق على جميع أفراد المجتمع دون استثناء.
وعليه، يمكننا في النظام القانوني الأردني قبول تعبير «مقاعد مخصصة» أو «مقاعد محجوزة» أو حتى «كوتا»، لكن لا يمكن قبول تعبير «أقلية»