عبدالهادي راجي المجالي
... في أمريكا الجنوبية ، كل الجيوش التي بنيت على أرضية عقائدية انهارت ..حتى في عالمنا العربي حدث ذلك ، الجيش في فنزويلا عقائدي .... قاموا بحشو رأس الجندي بروح الثورة واليسار ، بالأحلام ..بالأغاني بالرومانسيات الكاذبة ...في النهاية ، باع الجيش قائده الملهم والمناضل ..وسلم البلد .
في سوريا خطيئة النظام البعثي أنه أعطى غطاء خارجيا للجيش ، باعتباره روح البعث وحامي مباديء الثورة ، كان الموجه البعثي في اللواء نفوذه أكبر من نفوذ قائد فرقة ، وفي النهاية تحول الجيش إلى طائفي وكانت باكورة إنتاجه ..العميد سهيل الحسن الذي أطلق على نفسه اسم : النمر الوردي ..لقد حول هذا الرجل الجيش السوري إلى (مسخرة) ، واخر جملة له بثتها الجزيرة هي : إنه ينحني للصومعة التي يجتمع فيها إيليا وعليا ...
في ليبيا ..الجيش تحول من مقاتلين إلى طلبة في (الكتاتيب) ، على الضباط أن يحفظوا الكتاب الأخضر ، عليهم أن يحفظوا كل خطابات القائد ، وهم حراس الجماهيرية وحراس الثورة ، وهم منبع النضال الأممي الذي تحول فيما بعد من نضال عربي إلى إفريقي ...ماذا كانت النهاية ؟ انهار الجيش وسقطت الثورة ..
في اليمن ذات الشيء حدث ....وفي إيران قوات (الباسيج )هم حراس الثورة وذراع المرشد ، الحرس الثوري هو من يحمل مباديء الثورة ويدين بالولاء للمرشد ...وهو من أوكلت له وظيفة تصدير الثورة والوصول للقدس ، ولكن عند أول اختبار تمت تصفية قادة الجيش .
الأمثلة كثيرة ..ولكن ما حدث في فنزويلا ، يؤكد أن الجيوش العقائدية المحشوة بقيم اليسار ومباديء الثورة ، وأبجديات النضال الأممي هي أكثر الجيوش هشاشة ..
في الأردن الصورة لدينا مختلفة ..في الأردن قصة فنزويلا قدمت لي إجابات وافية عن سؤال ظل يطرحه الكثير من الناس ، وهو كيف عبرنا الربيع العربي دون قطرة دم .
الجواب بسهل وهو أن جيشنا أسس على قاعدة بسيطة ، وهي أن من انتسبوا إليه معظمهم من أبناء العشائر والبدو ، هؤلاء أحضروا أخلاق عشائرهم وقراهم ومجتمعاتهم ، القائمة على الكرم والرفعة والسمو والإيثار والتضحية وأسقطوها على الجيش والمؤسسات الأمنية ..لهذا صارت عقيدة جيشنا هي الأخلاق ، وعقيدة مؤسساتنا الأمنية هي التسامح .
لا تسألوا لماذا لم يسحل أو يقمع أو ينفى أو يقتل ..معتقل في مؤسساتنا الأمنية ، لسبب بسيط وهي أن قاعدة الأخلاق الإجتماعية هي من يحكم عمل هذه المؤسسات
في الأردن اليساري الذي جاء من بيروت ، ويحمل ذات الأحلام التي حملها مادورو في الحرية والنضال الأممي ، صار وزيرا وفيما بعد فتح مركزا ممولا من السفارة الألمانية ..وبعض الإسلاميين الذين حملوا مباديء الجهاد والتحرير ، استلذوا بدفء الكراسي وصاروا وزراء وانقلبوا على التنظيم وبرروا ذلك بحب الوطن ..تحت هذا العنوان تخلق الكثير من المبررات في الإنقلاب .
القوميون أيضا ، بعضهم صار قطريا ، والبعض الاخر صار عشائريا وبعضهم اشتغل في بيع الأراضي والتعدين ، وبعضهم أيضا استطاب الكرسي ..
الحزب الوحيد في الأردن الذي بقي محافظا على المباديء والأخلاق ولم ينقلب أو يتغير هو حزب ( الحز) ...وكما تعرفون كنا نميز العسكر في قرانا من (الحز) الذي يوجد في الرأس ، نتيجة ارتداء (البوريه) لساعات طويلة ...مع الزمن صار (الحز) ..أشبه بجزء من رأس العسكري ...حتى بعد التقاعد يبقى أثره ..
في عالمنا العربي سقط النضال الأممي ، وسقطت الثورات التحررية ، واليسار باع عند أول منعطف ، وبعض الإسلاميين تخلوا وخففوا اللحى ...وأصحاب الأصوات المرتفعة خفت صوتهم عند أول دفعة ، والذي بقي من وطني هو ( الحز) ...
(الحز) لم يتغير ، ولم ينقلب ، ولم يبدل ، ولم يفاوض ، ولم يتنازل ....في الأردن لدينا جرش واثارها ، لدينا قلعة الكرك ، لدينا البتراء ، لدينا المدرج الروماني ، لدينا البحر الميت ..لكن سر بقاء هذا البلد واستمراره هو (الحز) .
حيالله حزب (الحز) .
للعلم ..مازال (الحز) يزين رأس سيدنا أيضا .