أخبار اليوم – قال المهندس معتز العطين إن التجربة الأردنية خلال السنوات الماضية شهدت تحوّلًا مقلقًا في النظرة إلى العمل العام، حيث لم يعد يُتعامل معه بوصفه رسالة أخلاقية أو التزامًا وطنيًا، وإنما كوسيلة لتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وتأمين المستقبل الشخصي والعائلي، وهو ما أسهم في ترسيخ ثقافة ترى في المنصب العام فرصة لاختصار الطريق نحو الامتياز الطبقي.
وأوضح العطين أن تكرار هذا النموذج حوّله من حالة فردية إلى سلوك عام، ومن استثناء إلى قاعدة، مشيرًا إلى أن أخطر ما في هذا التحول أنه أعاد تعريف الوظيفة العامة من كونها تكليفًا ومسؤولية إلى تشريف وغنيمة، ما أدى إلى انتقال الفعل السياسي من منطق الخدمة إلى منطق المنفعة، ومن الدولة كأمانة جماعية إلى الدولة كأداة للترقي الشخصي.
وبيّن أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في الأداء فقط، وإنما في النوايا التي تسبق الوصول إلى مواقع القرار، معتبرًا أن العمل العام يفقد قيمته الأخلاقية عندما تكون الدوافع قائمة على المكاسب الشخصية، وحينها يتحول الخطاب الوطني إلى غطاء شكلي لا أكثر. وأضاف أن كثيرين اليوم لا ينطلقون في مسارهم العام من سؤال الخدمة، بل من سؤال الربح، وهو ما يحوّل السياسة إلى سوق تحكمه الصفقات بدل المبادئ.
وأشار العطين إلى أن أخطر مراحل التراجع تبدأ عندما يتم تطبيع هذا السلوك اجتماعيًا، إذ يصبح تحسّن أوضاع المسؤولين المعيشية وتأمين امتيازاتهم نموذجًا مشروعًا في وعي الناس، ما يؤدي إلى إنتاج طامحين إلى الامتياز بدل إنتاج قادة يحملون مشروع خدمة عامة، مؤكدًا أن السلطة تفقد في هذه الحالة بعدها الرمزي والأخلاقي وتتحول إلى أداة منفعة.
ولفت إلى أن التاريخ الأردني عرف نماذج دخلت العمل العام بروح الزهد والتضحية، ورأت في المنصب عبئًا أخلاقيًا واختبارًا وطنيًا، لا فرصة استثمار اجتماعي، إلا أن هذه النماذج تراجعت لصالح صور أكثر بريقًا وأقل مضمونًا، ما خلق أزمة قيم تتجاوز الأشخاص إلى البنية العامة للوعي السياسي.
وأكد العطين أن المرحلة الراهنة تتطلب إعادة بناء الأخلاق السياسية من خلال الممارسة لا الشعارات، عبر سياسات عادلة، ومحاسبة حقيقية، وفتح المجال أمام الكفاءات، وكسر احتكار النخب التقليدية للمشهد العام، داعيًا إلى تقديم نموذج مسؤول يخرج من موقعه كما دخل إليه، دون تضخم في الثروة أو النفوذ، وإنما بسجل أنظف واحترام أعلى.
وختم بالقول إن العمل العام ليس مهنة وإنما امتحان أخلاقي مستمر، وإن الدول لا تضعف بسبب الأزمات الاقتصادية فقط، وإنما عندما تتحول السلطة من مسؤولية إلى غنيمة، مشددًا على أن المطلوب اليوم مشروع وطني أخلاقي يعيد الاعتبار لقيمة الخدمة العامة، ويزرع في وعي الأجيال أن النجاح الحقيقي يُقاس بالأثر لا بالامتياز، وبالخدمة لا بالنفوذ.