شتاء قاتل في غزة… خيام النازحين تغرق تحت المطر والبرد القارس

mainThumb
شتاء قاتل في غزة… خيام النازحين تغرق تحت المطر والبرد القارس

14-01-2026 10:18 AM

printIcon

أخبار اليوم - لم يعد الشتاء في قطاع غزة فصلًا عابرًا، بل تحول إلى معركة يومية للبقاء، يخوضها مئات آلاف النازحين داخل خيامٍ مهترئة تتلاعب بها الرياح وتنهار أمام أول زخة مطر، مع استمرار الحرب والحصار الإسرائيلي الخانق.

ومع كل منخفضٍ جوي يضرب القطاع، تتضاعف معاناة العائلات التي فقدت منازلها، لتجد نفسها في مواجهة برد قارس وأمطار غزيرة، دون أدنى مقومات الحماية أو الدفء، في مشهدٍ إنساني قاسٍ يتكرر مع كل هطول للأمطار.

امتحان قاسٍ

تحت أشعة شمس خجولة، تجلس الستينية منى أبو عمشة على كتلةٍ إسمنتية قرب خيمتها المهترئة، وسط مدينة غزة، تحاول ضم حفيديها فوزية وسراج إلى صدرها، في محاولة لانتزاع بعض الدفء، قبل أن يبتلعه البرد ليلاً. تراقب السماء بقلق، وتستغل كل دقيقة شمس وكأنها كنز نادر، قبل أن تعود الغيوم الثقيلة وتعلن بداية ليلة جديدة من الخوف والبرد.

تحرص أم محمد على الجلوس مع الأطفال في الشمس كلما سنحت الفرصة، عل حرارة النهار تعوض قليلًا قسوة الليل، في مشهدٍ يلخص واقع آلاف الجدات والأمهات اللواتي وجدن أنفسهن فجأة في مواجهة الشتاء دون بيت، ودون وسائل تدفئة، ودون قدرة على حماية الصغار.

وتعيش أم محمد مع ابنتها وأحفادها الخمسة، أكبرهم يبلغ 10 سنوات وأصغرهم عامين فقط، بعد استشهاد والدهم. لكنها لم تعرف الاستقرار، منذ ترك منزلها تحت القصف الإسرائيلي في بلدة بيت حانون شمالي القطاع، بل تنقلت بين أماكن نزوح متعددة، قبل أن تستقر قسرًا في خيمةٍ ممزقة لا تحمي من المطر ولا من البرد القارس.

مع أولى ساعات الليل، تتحول الخيمة إلى مساحة ضيقة محاصرة بالماء والريح. تقول أبو عمشة إن الرياح تشتد فجأة، وتتسلل الأمطار من كل فتحة وثقب، فتغرق الأرضية وتبتل الأغطية. "الليل بالنسبة إلنا معاناة"، تقول، مشيرةً إلى أن المياه اجتاحت الخيمة أكثر من مرة خلال المنخفضات الجوية، ما اضطرهم إلى الخروج في ساعات الليل وقضاء الليل عند الجيران هربًا من الغرق.

وتضيف بحسرة: "منذ بداية الحرب ونحن نعيش في نزوح، لا مأوى لنا، ولا نملك "شوادر" تحمينا من المطر، ولا نمتلك سوى فرشتين وبعض البطانيات، ننام جميعًا عليها، لكنها لا توفر الدفء". وتتابع: "نخشى سماع أخبار المنخفضات الجوية، لا نعرف ماذا نفعل عندما يأتي المطر".

وتشير إلى أن أحفادها يعانون من أمراض متكررة نتيجة قلة الدفء والرطوبة، مؤكدة أنها تحاول الجلوس معهم تحت الشمس خلال ساعات النهار لإعطائهم "بعض الدفء"، في ظل غياب أي وسائل تدفئة أو ملابس شتوية كافية.

مأوى يتحول إلى فخ

ولا تختلف معاناة الرجل الخمسيني أحمد حمادة كثيرًا عن واقع أم محمد، إذ يعيش مع أفراد أسرته المكونة من 11 فردًا داخل خيمة مهترئة، بعد أن دمر الاحتلال منزله في الـ 6 ديسمبر/كانون الأول 2023. ومنذ ذلك اليوم، باتت الخيمة مأوى مؤقتًا تحول إلى معاناة دائمة، خصوصًا في فصل الشتاء.

"الليل قاسٍ جدًا علينا، البرد لا يُطاق"، يقول حمادة لـ "فلسطين أون لاين"، موضحًا أنهم يحاولون التدفئة بالالتصاق ببعضهم البعض. خلال المنخفض الأخير، اخترقت سيول المطر الخيمة من الأسفل، فيما تساقطت المياه عليهم من ثقوب القماش، ليجدوا أنفسهم محاصرين بالماء والبرد معًا.

ويعبر الرجل عن خوفه الدائم على أطفاله قائلًا: "أنا كتير بخاف على أولادي من هذه الحياة القاسية"، مشيرًا إلى أن شدة البرد دفعت أبناءه إلى الامتناع شرب المياه، ما تسبب بإصابة بعضهم بمغصٍ كلوي. ويضيف بأسى: "الشتاء كان موسم خير… اليوم صار مصدر خوف بدعي ربنا ألا يأتي".

ويطالب حمادة بتوفير شوادر بشكل عاجل كحد أدنى، إضافة إلى "كرفانات" تقي العائلات من المطر والبرد، مشددًا على أن "الخيمة القماشية، لا تحمي من شيء، ولا تصلح للحياة الآدمية".

ساعات رعب

أما السيدة الخمسينية منى الظاظا، التي باتت تقيم في خيمة قرب محطة تحلية المياه في دير البلح بعد تدمير منزلها في مدينة غزة، فتصف ليالي المنخفضات الجوية بأنها "ساعات رعب حقيقية".

تقول الظاظا لـ"فلسطين أون لاين"، إن أفراد عائلتها لا ينامون الليل في هذه الأيام، إذ يظل الجميع يقظين وهم يحاولون بكل جهد منع المياه من اجتياح الخيمة واغراق ما تبقى من ممتلكاتهم البسيطة. تضيف: "نجلس ونراقب السماء، نسمع صوت المطر وهو يخترق سقف الخيمة ويطرق الجدران الممزقة، كل صوت للرياح يزيد الخوف… لا نعرف متى ستغرقنا المياه، أو متى ستقتلع الخيمة".

وتشير إلى أن المنخفض الجوي الأخير شهد تدفق سيول المياه إلى داخل الخيمة قبل أن تقتلعها الأمطار والرياح، ما اضطر العائلة إلى الخروج في العتمة والبرد القارس خوفًا من الغرق.

وتصف الظاظا ما يعنيه الشتاء في الخيمة بالنسبة للأطفال: "أرى الصغار يرتجفون بين ذراعي، نبحث عن أي شعاع شمس، أي دفء يمكن أن نسرقه من النهار، لكن الليل يبتلع كل شيء… الشتاء هنا ليس فصلًا، إنه كابوس متواصل".

وأمام هذا الواقع، جدد الدفاع المدني بقطاع غزة مناشدته للمجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية بضرورة "إدراك حجم الكارثة وتحمل المسؤولية لإنهاء المعاناة، وتوفير ما يلزم للمدنيين بما يحفظ كرامتهم الإنسانية"، فيما دعت حركة حماس الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والمجتمع الدولي "إلى التحرك العاجل لإغاثة غزة وكسر الحصار الصهيوني، وعدم السماح لحكومة اليمين الصهيونية بالاستمرار في إبادة شعبنا في قطاع غزة".

المصدر / فلسطين أون لاين