أخبار اليوم - لم يكن محمد ثابت الخطيب (37 عامًا) يتخيّل أن كل ما بناه على مدار سنوات عمره سينهار في لحظات. هو أب لثلاثة أطفال، حملهم على كتفيه وفرّ بهم من جحيم الحرب مع بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، تاركًا خلفه منزلًا مهددًا ومحلاً متواضعًا للحلاقة كان يمثّل مصدر رزقه الوحيد.
في الأيام الأولى للحرب، قصف الاحتلال محله الكائن في أحد أحياء غزة، ليُحرم من عمله ويفقد مصدر دخله الوحيد، ويجد نفسه نازحًا إلى مخيم النصيرات وسط القطاع.
كان قلبه مثقلًا بالهم، وعيناه لا تفارقان صورة أطفاله الصغار الذين لم يفهموا بعد لماذا تحوّل كل شيء فجأة إلى رماد.
يقول الخطيب لـ "فلسطين أون لاين": "في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، وبينما أحاول التكيّف مع واقع النزوح القاسي، قصف الاحتلال منزلًا مجاورًا للبيت الذي لجأت إليه، دوّى الانفجار، وتناثرت الشظايا، وعمّ الصراخ، وكنت من بين المصابين".
حمله المسعفون إلى مستشفى العودة، وهناك، وبعد فحص طبي سريع، صُدم الجميع بإعلان أنه في عداد الشهداء.
أصيب محمد بشظايا متفرقة في أنحاء جسده كافة، من رأسه حتى قدميه، إذ لم تترك قوة الانفجار له فرصة للنجاة، رغم أنه لم يكن داخل الهدف المباشر، في مشهد متكرر يعكس مدى الاستهتار الإسرائيلي بأرواح المدنيين.
تقول زوجته روان الخطيب، بصوت مخنوق وهي تستعيد تفاصيل ذلك اليوم لـ "فلسطين أون لاين": "غاب محمد عن الوعي لساعات، لا يدرك ما حدث، ولا يسمع صراخ أولاده ولا بكاء من حوله".
ونظرًا لخطورة وضعه، جرى تحويله إلى مستشفى الأقصى.
وفي خضم الفوضى، وبعد إبلاغ أقاربه بأن "وضعه حرج… وفي حالة نزاع"، لاح بصيص أمل. فقد شاهد أحد الممرضين المتواجدين في المكان محمد ملقى دون حراك، فلم يتردد وبدأ بتقديم إسعافات ميدانية عاجلة في موقع الإصابة.
قام الممرض بتركيب أنابيب (برابيش) في صدره لإخراج الهواء والدم المتجمعين نتيجة إصابته الحادة، وهي خطوة أنقذت حياته، إذ بدأت علاماته الحيوية بالتحسن التدريجي، قبل أن يُنقل إلى قسم العناية المركزة ويُوضع تحت المراقبة الدقيقة.
ويضيف محمد: "ما كنت واعي لأي شيء، لكن لما صحيت، عرفت إن قريبي الممرض أنقذني… أنا حرفيًا كنت بين الحياة والموت".
بعد ستة أيام من الغيبوبة، بدأ يستعيد وعيه تدريجيًا. كانت أولى تساؤلاته عند الإفاقة عن ساقيه، بعدما شعر بعدم الإحساس بهما، فساوره الخوف من الأسوأ.
قال للطبيب المناوب بقلق: "وين رجليا؟ مش حاسس فيهم»، فأجابه مطمئنًا: «لا تقلق، أنت بخير، هذا أمر مؤقت نتيجة البنج والعمليات التي خضعت لها".
حينها بدأ الخطيب يدرك أنه ما زال يخوض معركة طويلة من التعافي، وأن الأمل، رغم ألم الجراح والجسد المثقل بالشظايا، ما زال يطرق بابه.
غير أن فرحته لم تدم طويلًا، إذ كشفت الفحوصات الدقيقة عن إصابة شظية لعموده الفقري، ما تسبب له بشلل نصفي سفلي، قلب حياته رأسًا على عقب.
وفي مستشفى غزة الأوروبي، خضع الخطيب لعملية جراحية معقدة استغرقت نحو ثماني ساعات لتثبيت العمود الفقري، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حركته واستعادة جزء من حياته الطبيعية.
ويتابع بحسرة: "الطبيب أخبرني إن فرصة إني أرجع أمشي صعبة جدًا، والأمل لا يتجاوز 3%، لكني ما زلت متمسكًا بالأمل وبحاول أقاوم".
توالت الخسارات على محمد؛ فقد خسر مصدر رزقه بعد تدمير محله، ثم فقد صحته وقدرته على المشي إثر الإصابة. ومع مرور الوقت، لم يتمكن من التأقلم مع واقعه الجديد، وسط معاناة نفسية وجسدية متصاعدة.
وباتت معاناته يومية، إذ أصبح بحاجة ماسة لمن يوفّر له متطلباته الأساسية.
وبعيدًا عن الألم النفسي، يوضح أنه يعاني أيضًا من وجع دائم لا يفارقه، بسبب البرد القارس والبلاتين المزروع في ظهره. ولم تفقد قدماه القدرة على الحركة فحسب، بل فقد كذلك هوايته التي كان يعشقها، كرة القدم، إذ كان عضوًا نشطًا في نادي الصداقة قبل الإصابة.
وتزداد معاناته سوءًا مع النقص المستمر في العلاجات والأدوية الضرورية، من مسكنات ومهدئات أعصاب، ما يفاقم ألمه اليومي ويحدّ من فرص تحسنه.
المصدر / فلسطين أون لاين