(أخبار اليوم – تالا الفقيه)
قالت الدكتورة حنان العمري، المستشارة النفسية والأسرية، إن ظاهرة السعي إلى الشهرة السلبية عبر مواقع التواصل الاجتماعي لا يمكن تصنيفها كسلوك سطحي أو عابر، بل تعود في جذورها إلى عوامل نفسية واجتماعية عميقة تبدأ غالبًا من مراحل الطفولة الأولى، حيث لم يُشبَع الاحتياج العاطفي أو لم يتم الاعتراف بالإنجازات والمشاعر في وقت مبكر من العمر.
وأوضحت العمري أن بعض الأفراد يعانون مما وصفته بـ“جوع الوجود”، أي الإحساس بأنهم لا يكونون مرئيين أو موجودين إلا عندما يكونون محل تفاعل، معتبرة أن غياب الاهتمام الإيجابي يدفعهم لا شعوريًا إلى تقبّل الاهتمام السلبي كبديل نفسي مقبول، طالما أنه يحقق الهدف الأساسي لديهم وهو الشعور بالوجود وعدم التلاشي.
وبيّنت أن الشهرة السلبية تكون في كثير من الحالات محاولة لتعويض شعور دفين بالدونية أو هشاشة تقدير الذات، حيث لا يفرّق اللاوعي بين الإعجاب والكراهية، بل بين التفاعل والتجاهل، مؤكدة أن النقد والهجوم يُترجمان لدى هذه الفئة على أنهما دليل تأثير، حتى وإن كان تأثيرًا هدامًا.
وأضافت العمري أن من الناحية العصبية، فإن الجدل والاستفزاز المتكرر يطلقان هرمون الدوبامين، ومع التكرار يتحول الأمر إلى نوع من الإدمان على الإثارة، ما يدفع الشخص إلى تصعيد سلوكه باستمرار كلما خفّ الضوء عنه، حتى لو كان ذلك على حساب سمعته أو قيمه أو صورته الذاتية.
وأشارت إلى أن بعض الشخصيات تستخدم الشهرة السلبية كوسيلة لتفريغ غضب قديم أو كنوع من الانتقام الرمزي من مجتمع لم يحتوِها سابقًا، في رسالة غير واعية مفادها “انظروا إليّ الآن”، مؤكدة أن هذا السلوك يظهر غالبًا لدى من عاشوا الإقصاء أو الإهمال العاطفي لفترات طويلة.
وأكدت العمري أن الخوف من الاختفاء يفوق لدى هؤلاء الخوف من الرفض، لأن الرفض يمكن التعايش معه، بينما الاختفاء يعني تلاشي الهوية، لافتة إلى أن تشويه مفهوم القيمة الذاتية يدفعهم للبحث عن القيمة عبر الصدمة لا المعنى، وعن الانتشار لا الأثر، وعن الشهرة لا العمق.
وختمت العمري حديثها بالتأكيد على أن الشهرة السلبية في جوهرها ليست حبًا للأذى، بل صرخة اعتراف ومحاولة بقاء نفسي وتعويض عن حرمان قديم، معتبرة أن من يسعى إليها ليس قويًا كما يبدو، بل يعاني ضعفًا داخليًا عميقًا، داعية المؤثرين والمشاهير إلى الاستثمار في صحتهم النفسية واللجوء إلى المختصين بدل الاستمرار في هدم القيم والمبادئ.