بلد الزيتون يستورد زيته .. كيف تحوّل الأردن من أرض إنتاج إلى سوق استهلاك؟

mainThumb
بلد الزيتون يستورد زيته… كيف تحوّل الأردن من أرض إنتاج إلى سوق استهلاك؟

23-02-2026 03:56 PM

printIcon

أخبار اليوم - لم يعد السؤال في الأردن مقتصرًا على أسعار الزيت أو الجميد أو القمح، بل أصبح أعمق من ذلك: كيف لبلد يُوصف تاريخيًا بأنه أرض الزيتون وسهول القمح أن يجد نفسه اليوم يستورد جزءًا كبيرًا من منتجاته الأساسية؟
مواطنون ومراقبون يرون أن المفارقة باتت صادمة. فالأردن الذي ارتبط اسمه بزراعة الزيتون، وبمنتجات الألبان التقليدية وعلى رأسها الجميد، وبسهول حوران التي عُرفت بخصوبة تربتها، يستورد اليوم زيتًا وزيتونًا وجميدًا وفريكة وأعشابًا كانت جزءًا من هوية الريف الأردني لعقود طويلة.
أحد المواطنين عبّر عن دهشته قائلاً إن “بلد الزيتون أصبح يتهافت بعض أبنائه على زيت مستورد بحثًا عن سعر أقل”، متسائلًا عمّا إذا كانت المشكلة في الإنتاج أم في التسويق أم في السياسات الزراعية ذاتها. مواطن آخر اعتبر أن الحديث لا يقتصر على الزيت، فالأردن – وفق رأيه – يستورد نسبًا كبيرة من الجميد، إلى جانب الفريكة وبعض الأعشاب، في وقت كانت فيه هذه المنتجات تُعد جزءًا من الاكتفاء الريفي التقليدي.
ويربط مراقبون هذا التحول بسلسلة طويلة من التغيرات الاقتصادية والاجتماعية بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث توسعت أنماط الإقراض الزراعي، وتغيّرت بنية الملكيات، وازدادت وتيرة تحويل الأراضي الزراعية إلى أبنية سكنية وتجارية. ويقول أحد المهتمين بالشأن الزراعي إن “الأرض التي كانت تنبت القمح أصبحت في كثير من المناطق كتلًا من الإسمنت”، متسائلًا: من أين يأتي القمح إذا تقلّصت المساحات المزروعة عامًا بعد عام؟
وفي شمال المملكة، يشير مواطنون من مناطق زراعية تقليدية إلى تحديات مرتبطة بندرة المياه ومنع حفر الآبار في مواسم القحط، معتبرين أن المزارع يجد نفسه أحيانًا عاجزًا عن حماية محصوله، ما يدفعه إلى ترك الأرض أو تغيير نشاطه.
بعض الأصوات ترى أن التحول من الإنتاج إلى الاستهلاك لم يكن نتيجة ظرف واحد، بل مسارًا تراكميًا شمل توسع الاعتماد على المساعدات، وتراجع الجدوى الاقتصادية للزراعة الصغيرة، مقابل صعود أنماط استهلاكية حضرية. ويقول أحد المواطنين إن “البيوت في القرى كانت تضم رؤوس ماشية ودواجن وحدائق منزلية صغيرة، وكان الحد الأدنى من الاكتفاء متحققًا”، مضيفًا أن هذا النموذج تراجع تدريجيًا لصالح نمط معيشة يعتمد أكثر على الشراء من السوق.
في المقابل، يؤكد مختصون أن الصورة ليست سوداء بالكامل، فالأردن ما زال يحتفظ بمنتجات زراعية ذات جودة عالية، خاصة زيت الزيتون، وأن جزءًا من الإنتاج يُوجَّه للتصدير نظرًا لمواصفاته، بينما تتأثر الكميات المعروضة محليًا بعوامل موسمية ومناخية.
ويبقى السؤال الذي يتكرر على ألسنة كثيرين: هل المشكلة في ضعف التخطيط طويل الأمد؟ أم في غياب سياسات تحمي الأرض الزراعية من الزحف العمراني؟ أم في اختلال العلاقة بين كلفة الإنتاج المحلي وقدرة المستهلك الشرائية؟
بين الحنين إلى “أيام الإنتاج” والواقع الاقتصادي المعقد، يطالب مواطنون بإعادة الاعتبار للزراعة كركيزة اقتصادية لا مجرد قطاع ثانوي، وبمراجعة السياسات التي تمس الأمن الغذائي. فالقضية – كما يصفها أحدهم – ليست مسألة زيت أو جميد فحسب، بل سؤال عن هوية اقتصادية: هل يبقى الأردن بلد زيتون وقمح، أم يتحول بالكامل إلى سوق مفتوحة لكل ما يأتي من الخارج؟