لماذا لا يعود رأس المال الأردني في الخارج للاستثمار في الوطن؟

mainThumb
لماذا لا يعود رأس المال الأردني في الخارج للاستثمار في الوطن؟

25-04-2026 03:26 PM

printIcon

أخبار اليوم - عواد الفالح – آلاف الأردنيين العاملين في الخارج يعودون كل عام وهم يحملون فكرة واحدة تتكرر بصمت: كيف يمكن استثمار سنوات الغربة في مشروع داخل الوطن؟ كثيرون لا يبحثون عن مغامرة مالية بقدر ما يبحثون عن استقرار طويل الأمد، ومكان يربط تعب السنين بأرضهم وأهلهم ومستقبل أبنائهم. لكن بين الرغبة والواقع، تقف فجوة كبيرة تجعل كثيرًا من هذه الأموال تنتهي في حسابات بنكية جامدة بدل أن تتحول إلى مصانع أو شركات أو مشاريع إنتاجية.

اللافت أن شريحة واسعة من المغتربين تمتلك القدرة المالية والاستعداد النفسي للاستثمار داخل الأردن، سواء في القطاع التجاري أو الصناعي أو الزراعي أو حتى الخدمي، إلا أن التجربة العملية كثيرًا ما تنتهي بالإحباط. الفكرة تبدأ بحماس، ثم تصطدم بسلسلة طويلة من التعقيدات التي تجعل المستثمر يشعر أن الطريق إلى المشروع أصعب من المشروع نفسه.

مستثمرون ومغتربون أكدوا أن المشكلة لا تتعلق فقط برأس المال، بل بالبيئة التي تستقبل هذا المال. أحدهم قال إن أول ما يواجهه العائد من الخارج هو البيروقراطية الثقيلة، حيث تتنقل المعاملة بين أكثر من جهة، وكل دائرة تطلب أوراقًا مختلفة، وكل موظف يقدّم تفسيرًا مختلفًا، وكأن المستثمر يدخل متاهة لا يعرف نهايتها.

آخر أشار إلى أن بطء الإجراءات وحده كفيل بإطفاء أي حماس، فالحصول على الموافقات قد يستغرق أشهرًا طويلة، بينما في دول أخرى تُنجز المعاملات خلال أيام. ويضيف أن رأس المال بطبيعته يبحث عن السرعة والوضوح، وعندما يغيب هذان العنصران، يصبح الإيداع البنكي خيارًا أكثر أمانًا حتى لو كان أقل ربحًا.

الترهل الإداري أيضًا حاضر بقوة في شكاوى المستثمرين، حيث يشعر كثيرون أن بعض المؤسسات ما تزال تعمل بعقلية قديمة لا تواكب طبيعة الاستثمار الحديث، وأن بعض الموظفين يفتقرون إلى المعرفة الكافية أو القدرة على اتخاذ القرار، ما يخلق حالة من الدوران المستمر دون نتيجة حقيقية.

مختصون اقتصاديون يرون أن الأردن لا يعاني من نقص الأموال بقدر ما يعاني من ضعف القدرة على جذبها وتحويلها إلى مشاريع منتجة. فالمغترب الأردني لا يحتاج إلى حملات دعائية بقدر حاجته إلى ثقة، والثقة تُبنى عبر قوانين مستقرة، وإجراءات واضحة، ورسالة رسمية تقول له إن استثماره هنا مرحب به ومحمي.

ويؤكد هؤلاء أن جزءًا من المشكلة مرتبط بتعدد المرجعيات وتضارب القرارات، حيث قد يحصل المستثمر على موافقة من جهة ثم يفاجأ بعائق من جهة أخرى، ما يخلق انطباعًا بأن البيئة الاستثمارية غير مستقرة، وأن القرار الاقتصادي لا يسير ضمن رؤية موحدة.

في المقابل، يرى البعض أن القطاع المصرفي أصبح الملاذ الأسهل لهذه الأموال، فبدل الدخول في مغامرة إدارية مرهقة، يفضّل كثيرون إبقاء مدخراتهم في البنوك، رغم أن ذلك لا يحقق الأثر الاقتصادي المطلوب، لا للمستثمر نفسه ولا للاقتصاد الوطني الذي يحتاج إلى مشاريع حقيقية وفرص عمل جديدة.

السؤال الذي يتكرر على ألسنة المغتربين واضح ومباشر: إذا كنا نريد أن نستثمر في بلدنا، فلماذا نشعر أحيانًا أن الطريق مغلق؟ ولماذا يتحول المستثمر من شريك في التنمية إلى شخص يطارد التواقيع والأختام؟

الأردن يملك العقول، ويملك الكفاءات، ويملك أبناءه المنتشرين في العالم الذين ما زالوا يرون في الوطن فرصتهم الأولى، لكن الاستثمار لا يقوم على العاطفة وحدها. البيئة الطاردة لا تصنع نموًا، والبيروقراطية لا تبني اقتصادًا، والرساميل حين لا تجد بابًا مفتوحًا، تبحث عن أبواب أخرى خارج الحدود.