أخبار اليوم - عواد الفالح – خلال الأيام الأخيرة، تصاعدت بشكل لافت الإعلانات عن اختفاء شباب وفتيات وحتى أطفال في مناطق مختلفة من المملكة، في مشهد بات يثير قلق الأسر وتساؤلات المجتمع، خصوصًا مع تكرار النمط ذاته؛ إعلان عاجل عن مفقود، ساعات أو أيام من الترقب والقلق، ثم عودة الشخص المختفي سالمًا دون أذى، وغالبًا من مكان قريب كمنزل صديق أو أحد الأقارب أو الجيران.
هذا التكرار فتح بابًا واسعًا من النقاش: لماذا يختفي هؤلاء؟ وما الذي يدفع شابًا أو فتاة أو حتى طفلًا إلى مغادرة المنزل دون إبلاغ أسرته؟ وهل نحن أمام ظاهرة اجتماعية تتوسع بصمت، أم أن ما يحدث مجرد حالات فردية متفرقة يجمعها ظرف واحد هو القلق العام؟
الأجهزة الأمنية تباشر في كل مرة عمليات البحث والتحري فور ورود البلاغات، وتتعامل مع الملف بجدية عالية، لأن أي بلاغ فقدان يحمل احتمال الخطر، مهما كانت نهايته لاحقًا. لكن بعد العثور على المختفين، تبقى الأسئلة الأهم معلقة داخل البيوت نفسها، حيث يبدأ التحقيق الحقيقي: ماذا حدث قبل الاختفاء؟
مختصون اجتماعيون يرون أن جزءًا من هذه الحالات يرتبط بتفكك أسري أو ضغوط نفسية يعيشها الأبناء بصمت، خاصة في البيئات التي يغيب فيها الحوار وتحضر فيها القسوة أو التوتر المستمر. الشاب الذي لا يجد من يسمعه، والفتاة التي تشعر بأنها محاصرة، والطفل الذي يكبر وسط صراخ يومي، قد يختار الهروب المؤقت كوسيلة احتجاج صامتة أو محاولة للبحث عن مساحة أمان.
في المقابل، هناك من يربط الأمر بتأثير التكنولوجيا ومواقع التواصل، حيث أصبحت العلاقات الافتراضية أكثر حضورًا من العلاقات داخل المنزل، وأصبح بعض الأبناء أكثر قربًا من أصدقاء الشاشة من أسرهم الحقيقية. هذا العالم المفتوح قد يدفع بعضهم إلى قرارات متهورة، أو يمنحهم شعورًا زائفًا بالاستقلال والقدرة على الاختفاء دون عواقب.
مواطنون عبّروا عن قلقهم من تزايد هذه الحالات، مؤكدين أن الإعلان المتكرر عن مفقودين خلال أيام قليلة يخلق حالة خوف عامة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأطفال. كثيرون يرون أن القضية لا يجب أن تُختصر في العثور على الشخص فقط، بل في فهم الأسباب التي دفعته إلى المغادرة من الأساس، لأن العودة الجسدية لا تعني انتهاء المشكلة.
في بعض الحالات، يكون السبب بسيطًا وخلافًا عابرًا داخل المنزل، وفي حالات أخرى تكون الخلفيات أعمق بكثير، مرتبطة بالإهمال أو العنف أو الشعور بالعزلة. الخطورة تكمن في التعامل مع هذه الوقائع كخبر يومي عابر، بينما هي في حقيقتها جرس إنذار اجتماعي يحتاج إلى قراءة جادة.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل نحن أمام خلل في بنية الأسرة الحديثة؟ أم أمام جيل يعيش ضغطًا نفسيًا أكبر من قدرته على الاحتمال؟ أم أن المجتمع تأخر في ملاحظة التحولات التي تحدث داخل البيوت حتى بدأت تظهر على شكل بلاغات فقدان؟
ما بين القلق الشعبي، وجهود الأجهزة الأمنية، وصمت كثير من الأسر عن الأسباب الحقيقية، تبقى الحقيقة الأوضح أن اختفاء الأبناء لا يبدأ من الشارع، بل غالبًا من داخل البيت نفسه.