بين "سلطة الأبوة" وقبضة القانون.. تحويل أب للمدعي العام لضربه ابنه يفتح جرح "التربية والولاية" في الأردن
أخبار اليوم - عواد الفالح - أطلقت حادثة تحويل أب أردني إلى المدعي العام، إثر قيامه بضرب ابنه كإجراء "تأديبي" لردعه عن "معاكسة الفتيات"، موجة عارمة من الجدل في الشارع الأردني، أعادت إلى الواجهة الصراع القائم بين الموروث الاجتماعي الذي يعطي الأب سلطة تأديبية واسعة، وبين القوانين الحديثة ومنظومة حماية الأسرة التي باتت تراقب ما يحدث خلف الأبواب المغلقة.
هذه الحادثة، التي وثقها مقطع فيديو جرى تداوله على نطاق واسع، لم تكن مجرد واقعة اعتداء، بل تحولت إلى منصة لمحاكمة القوانين والاتفاقيات الدولية التي يرى قطاع واسع من الأردنيين أنها "توغلت" في خصوصية العائلة وبدأت بتفكيك الروابط الأسرية بدعوى الحماية.
رصدت "أخبار اليوم" تفاعلات المواطنين التي غلب عليها طابع الاستهجان من وصول الأمر إلى القضاء؛ حيث يرى مواطنون أن ما قام به الأب هو "واجب تربوي" لردع ابنه عن سلوكيات تمس الأخلاق والدين.
يقول الناشط رامي عليان معلقاً بمرارة: "إذا الواحد بعد ابنه عن الوساخة بحبسوه"، في إشارة إلى شعور الأب بالأيد المقيدة في تربية أبنائه. بينما ذهب آخرون لوصف القوانين الحالية بأنها "تساعد على الفساد"، مؤكدين أن التدخل المفرط لمؤسسات حماية الأسرة يؤدي إلى "تمرد الأبناء" وتحطيم هيبة الوالدين.
في المقابل، برزت أصوات ترفض "التعنيف الجسدي" كأداة للتربية، معتبرة أن الضرب المبرح لا يبني أخلاقاً بل يولد حداً من الكراهية والعقد النفسية، وهو ما لخصه البعض بالتساؤل عن ماضي الآباء أنفسهم ومدى مثالية سلوكهم في صغرهم قبل ممارسة هذا العنف على أبنائهم.
القضية أثارت تساؤلات قانونية واجتماعية عميقة حول "الولاية"؛ حيث يشير مواطنون إلى وجود "تضارب" في القوانين والتعامل العشائري. ويتساءل البعض: "كيف يكون الأب مسؤولاً قانونياً وعشائرياً عن أخطاء ابنه (مثل الجلوة والعطوة)، وفي الوقت ذاته يُمنع من تأديبه أو نهيه عن الخطأ؟".
أحد المعلقين لخص هذه الازدواجية بقوله: "إذا الولد عمل جريمة، أبوه وعشيرته لازم يخلوا بيوتهم ويطلعوا (جلوة)، وبالمقابل إذا الأب بهدل ابنه أو ضربه، القانون بحبسه.. نحن بحاجة لحل لهذا التناقض".
يرى مختصون في الشأن الاجتماعي أن الأزمة لا تكمن فقط في القانون، بل في "فجوة الأدوات التربوية"؛ فالأب التقليدي لا يملك أداة للردع سوى القوة الجسدية، بينما يعيش الجيل الجديد في فضاء مفتوح محمي بقوانين "حماية الأسرة" وسهولة الوصول للمنصات الرقمية للشكوى.
ويحذر المختصون من أن تحويل الخلافات التربوية البسيطة إلى قضايا جنائية قد يؤدي إلى حالة من الاحتقان الاجتماعي وتفكك أسري غير مسبوق، مطالبين بضرورة وجود لجان إصلاح أسري قبل الوصول للمدعي العام، لضمان معالجة السلوك الخاطئ للابن دون تدمير مستقبل الأب أو كسر هيبته.
ولم يغب البعد السياسي والدولي عن النقاش، حيث ربط العديد من المواطنين هذه الإجراءات باتفاقيات دولية مثل "سيداو" وبنود حماية الطفل الدولية، معتبرين أنها "دخلت البيوت لتهدمها" وتفرض نماذج تربوية غريبة عن المجتمع الأردني المحافظ، مما خلق حالة من "العقوق القانوني" كما وصفها البعض.
بين مطرقة التربية وسندان القانون، يبقى السؤال مفتوحاً في الشارع الأردني: من يربي من؟ وهل أصبحت "البسطة" أو "كف الأب" جريمة تستوجب السجن، بينما تمر أخطاء الأبناء السلوكية دون معالجة حقيقية من ذات القانون؟