أخبار اليوم – “كان الجار زمان أقرب من القريب”.. عبارة لا تزال تتردد على ألسنة كثير من الأردنيين كلما فُتح الحديث عن العلاقات بين الجيران، وسط شعور متزايد لدى البعض بأن صورة “جار
زمان” تغيّرت كثيراً، وأن العلاقات التي كانت تقوم على المحبة والستر والمساندة أصبحت في بعض الأماكن محكومة بالفضول أو الحساسيات أو التدخل الزائد في حياة الآخرين.
هذا النقاش عاد بقوة بين المواطنين خلال السنوات الأخيرة، مع ازدياد الشكاوى المرتبطة بطبيعة العلاقة بين الجيران، بين من يرى أن الجار لا يزال نعمة وسنداً اجتماعياً حقيقياً، وبين من يعتبر أن بعض العلاقات السكنية تحولت
إلى مصدر ضغط نفسي ومراقبة وتوتر دائم داخل الأحياء والعمارات السكنية.
مواطنون تحدثوا عن صورة قديمة ما تزال عالقة في الذاكرة؛ أبواب مفتوحة، أطباق طعام تتنقل بين البيوت، وسؤال يومي عن الأحوال، وحتى الخلافات كانت تُحل داخل الحارة بسرعة ودون قطيعة طويلة.
إحدى السيدات قالت إن الجار الطيب قادر على تغيير يوم كامل بكلمة احترام أو موقف إنساني بسيط، معتبرة أن حسن الجوار لا يحتاج
إلى إمكانيات مادية بقدر ما يحتاج
إلى “لين قلب واحترام للناس”.
في المقابل، اشتكى آخرون من تحوّل بعض العلاقات بين الجيران
إلى حالة من التدخل المبالغ فيه أو مراقبة التفاصيل اليومية، بداية من مواعيد الخروج والدخول وحتى متابعة المشتريات والحياة الخاصة، الأمر الذي خلق شعوراً بالاختناق لدى بعض العائلات.
سيدة أخرى روت أنها اضطرت للانتقال من منزلها بسبب مشاكل متكررة مع أحد الجيران، مؤكدة أن التوتر اليومي داخل بيئة السكن ينعكس مباشرة على الاستقرار النفسي للأسرة والأطفال.
وفي زاوية أخرى من النقاش، عبّر كثيرون عن حنينهم لتفاصيل بسيطة كانت تصنع روح الحارة قديماً، مثل رائحة الطعام التي يعرف منها الجيران بعضهم، أو الجلسات المسائية أمام البيوت، أو مبادرات المساندة وقت المرض والفرح والحزن.
أحد المواطنين علّق ساخراً بأن أكثر ما يفتقده اليوم هو “جار القلايات” الذي كانت رائحة الكبدة واللحمة تصل منه يومياً دون أن يعرف من أي بيت تأتي، في إشارة
إلى بساطة العلاقات القديمة وعفويتها.
مختصون اجتماعيون يرون أن التغييرات الاقتصادية وطبيعة الحياة الحديثة لعبت دوراً كبيراً في تبدل شكل العلاقة بين الجيران، خاصة مع انتقال الناس
إلى العمارات السكنية المغلقة، وزيادة الضغوط المعيشية، وتراجع الوقت المخصص للعلاقات الاجتماعية المباشرة.
ويشير مختصون
إلى أن المقارنات الاجتماعية والفضول الزائد تجاه حياة الآخرين خلقا نوعاً من الحساسية والتوتر داخل بعض البيئات السكنية، في وقت أصبحت فيه الخصوصية مطلباً حساساً لدى كثير من الأسر.
وفي المقابل، يؤكد آخرون أن الخير ما يزال موجوداً، وأن كثيراً من الأحياء الأردنية لا تزال تحافظ على روح الجيرة الأصيلة، حيث يقف الجار مع جاره في المرض والضيق والمناسبات، دون انتظار مقابل.
ويرى مراقبون أن المشكلة لا تتعلق بفكرة “الجيران اليوم” بشكل مطلق، وإنما بتغير أنماط الحياة نفسها، فالعلاقات التي كانت تُبنى على الوقت الطويل والتواصل اليومي أصبحت اليوم أسرع وأكثر برودة بسبب ضغوط العمل والانشغال وطبيعة المدن الحديثة.
ورغم كل التغيرات، يبقى الجار بالنسبة لكثير من الأردنيين جزءاً أساسياً من الأمان الاجتماعي، فوجود جار محترم ومتعاون قد يصنع راحة لا تُشترى، بينما قد يتحول سوء الجوار
إلى عبء يومي يدفع البعض حتى
إلى ترك منازلهم بحثاً عن راحة نفسية مفقودة.
ويبقى السؤال الذي يتكرر في كل بيت تقريباً: هل
تغيّر الناس فعلاً، أم أن الحياة الحديثة هي التي غيّرت شكل الجيرة التي عرفها
الأردنيون قديماً؟