بين الرجعية والمحافظة ..

mainThumb
الدكتور صبري ربيحات

13-05-2026 10:17 AM

printIcon

الدكتور صبري ربيحات

الرجعية مصطلح يستخدم لوصف القوى او التيارات السياسية والاجتماعية التي تناهض التغيير خصوصا الذي تنادي او تقوم به قوى التغيير او اللبرنة والتحديث...ويستند موقف الرجعيين إلى المعتقدات التي ترى أن الماضي جميل ومستقر ومألوف وفيه الكثير من الطمأنينة وعلى اعتبار "أن ليس أفضل مما كان "
يرى الرجعيون ومعهم المحافظون أن الموروث والتقاليد والبنى الاجتماعية والعادات ضرورية لبناء الفرد والحفاظ على الاستقرار والطمأنينة . ويثق الرجعيون والمحافظون بالبنى والمؤسسات التقليدية باعتبارها نتاج للتطور الطبيعي للمجتمع عبر الاف السنين كما يتفقان على أن الحكمة المتوارثة ميزة تكفل الاستقرار كونها تشتمل على خلاصة لتجارب الأباء والاجداد التي جاءت من اختبار الافكار ووضعها على محك الحياة ...
فالحياة التي عاشها الآباء كانت المختبر الذي انتج الإفكار والأساليب والطرق ولا تشتمل الحكمة المتوارثة الا على كل ما ثبتت فعاليته وجدواه بعد استبعاد كل ما هدد سلامة البناء وشكل خطرا على الوجود والاستقرار .
ينظر التيار الرجعي للفكر الليبرالي بكثير من الشك والريبة ويرى انها تيارات غير موثوقة ليس لانها مدفوعة بقيم فردية ونفعية فحسب بل لكونها متحررة من الثوابت والقيم المتوارثة والمستقرة . فالليبراليون من وجهة النظر الرجعية والمحافظة لا يقيمون وزنا للموروث ولا القيم السائدة وكل ما يهمهم تحقيق ما يعتقدون انه جديد وعملي ومربح دون ايه حسابات للاستمرارية او الاستقرار.
وغالبا ما ينصب الاهتمام الليبرالي على التخلص من كل ما قد يحد من سرعة الانتقال او التحول نحو حالة غير معروفة تماما وتكمن خطورة الليبرالية من المنظور المحافظ في انها غير معنية بالموروث القيمي او الديني او الاجتماعي ولا ترى فيه الا عائقا ومعطلا للتحديث او اللبرنة . وعليه تصر القوى الرجعية على الرجوع لما هو قديم ولا تقبل اي طروحات تهدف الى تغيير الواقع او الانزياح عنه .
تلتقي الرجعية مع المحافظة على فكرة مناهضة الليبرالية والتغيير لكن التيارات المحافظة أقل تشددا في مقاومتها فقد تقبل التحول التدريجي المستند الى رؤى واضحة وتحكمه الضوابط والموجهات العقائدية و ألأخلاقية ولا يمس جوهر الهوية والشخصية ولا الثوابت المرتبطة بالقيم واشكال التنظيم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي .
في عالمنا العربي يصعب أن تعرف من هو الرجعي او المحافظ وحتى الليبرالي واستغرب كثيرا عندما ارى صاحب مال ونفوذ سياسي وجاه يطرح افكارا للتغيير وفي المقابل مجموعة من الاشخاص الذين لا يجدون ما يكفي لتسديد نفقات حياتهم يروجون للمحافظة .
هذا الاستغراب يتلاشى عند الامعان في حدود وسقوف ومعنى التغيير والتحول في مجتمعاتنا العربية وهو مفهوم يبتعد في معانيه ودلالاته عن ما تعنيه المحافظة وما يشمله التغيير في العالم .
في عالمنا العربي يمكن أن تكون الليبرالية مدخلا لخلط الأوراق او إيجاد حالة من الفوضى التي تخلخل علاقة الافراد بالنظم والقيم وقد يستخدم الشعار لتفكيك البنى المؤسسية واشتباك ضبابي بين القطاعات يخلق بيئة خصبة للفساد المالي والاداري .
مع كل ذلك فإن جميع البلدان محافظة سياسيا أي انها ابوية او بطركية البناء يحكمها اشخاص او عائلات ولا يوجد مساحة لمشاركة شعبية فاعلة حتى وأن بدت من الناحية الشكلية ديمقراطية او دستورية فالسياسات العامة يوجهها الحاكم والحكومة حتى وأن اشتمل هيكل السلطات على مجالس تشريعية وتعمل كافة السلطات والمؤسسات على استكمال إجراءات تنفيذ رغبات من يملكون سلطة القرار في قمة هرم السلطة ولا تتعدى العمليات والحوارات التي تجري على المستويات المختلفة كونها محطات يجري فيها الإنزال التدريجي للمشروعات التي ترى سلطة القرار أنها ضرورية للتغيير او تبديل او تحويل شكل العلاقة بين الأطراف.
في المجالات البعيدة عن سلطة القرار وشكل النظام ومهام حمايته واستقراره من أي تغيير محتمل يوجد هامش محدود يتيح للقوى الاجتماعية أن تتباين وتنوع خياراتها فقد تجد الليبرالي والمحافظ والرجعي والقومي والديني والطائفي والعرقي وقد تجد العلماني ويحرص صناع القرار على ابقاء هذا التنوع وربما الاستشهاد به عند مناقشة موضوعات ديناميكية المجتمع ومستوى الحريات .
في الحراك الحزبي الذي زادت وتيرته خلال الاعوام الثلاثة الاخيرة ظهرت عشرات الاحزاب التي حملت اسماء متنوعة ومتعددة . بعض هذه الاحزاب انطلقت من افكار طرحها بعض الأشخاص او طرحت عليهم ليحملوها .
بقراءة الوثائق التي تحمل مباديء و رؤى وأهداف الاحزاب الجديدة يصعب التفريق بين طروحات غالبية الاحزاب التي نشأت حديثا الامر الذي يدفعك للسؤال حول تصنيفها ضمن التيارات المتعارف عليها اي هل هي قوى للتغيير ؟ ام هي قوى للمحافظة ؟ وهل هي أحزاب ليبرالية ؟ ام أحزاب رجعية؟
حقيقة الأمر اني لا اعرف ...لكني اتذكر قولا لصديق لنا عندما سألته ذات يوم عن ما جرى في أجتماع ذهب لحضوره حيث قال " لا شيء سوى أن احدهم قال للأخر طمني عنك .....فأجاب الاخر بعد دقائق ..عنك طمني " ..