أخبار اليوم - تالا الفقيه - باتت ظاهرة تأخر الزواج وارتفاع معدلات العزوبية بين الشباب الأردنيين واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية حضوراً في النقاشات العامة، في ظل تزايد التحديات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، الأمر الذي فتح باب التساؤلات حول ما إذا كانت العزوبية أصبحت خياراً شخصياً لدى بعض الشباب أم أنها نتيجة مباشرة لضغوط اقتصادية ومعيشية متراكمة.
وفي الوقت الذي يرى فيه كثير من الشباب أن الظروف المالية أصبحت العائق الأكبر أمام تأسيس أسرة، يعتقد آخرون أن التحولات الاجتماعية وتغير أنماط الحياة لعبت دوراً لا يقل أهمية عن العامل الاقتصادي في تأخير قرار الزواج.
ويقول شاب في الثلاثين من عمره إنه يعمل منذ سنوات في القطاع الخاص، لكنه لا يزال عاجزاً عن توفير متطلبات الزواج الأساسية من مسكن ومهر وأثاث وتكاليف احتفال، مضيفاً أن دخله الشهري بالكاد يكفي لتغطية نفقاته الشخصية والتزاماته المعيشية. ويؤكد أن الرغبة في الزواج موجودة، لكن الواقع الاقتصادي يجعل تحقيقها أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
وتتكرر روايات مشابهة بين شباب يرون أن ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات، إلى جانب محدودية الرواتب وارتفاع معدلات البطالة، جعلت الزواج مشروعاً يحتاج إلى سنوات طويلة من الادخار والتخطيط. ويقول أحدهم إن كثيراً من أصدقائه تجاوزوا سن الثلاثين دون زواج رغم رغبتهم بذلك، لأن الأولوية أصبحت لتأمين الاستقرار المالي قبل التفكير في تكوين أسرة.
في المقابل، يرفض آخرون حصر القضية في الجانب الاقتصادي فقط، معتبرين أن المجتمع يشهد تغيرات ثقافية واضحة أثرت على نظرة الشباب للزواج. ويرى بعضهم أن جزءاً من التأخير يعود إلى ارتفاع سقف التوقعات لدى الجنسين، سواء فيما يتعلق بالمواصفات المطلوبة للشريك أو بمستوى الحياة الذي يسعى إليه المقبلون على الزواج.
وتقول شابة جامعية إن كثيراً من الفتيات أصبحن يركزن على استكمال التعليم وتحقيق الاستقلال المهني قبل التفكير بالزواج، معتبرة أن تأخر سن الزواج لا يعني بالضرورة وجود أزمة، بل قد يكون انعكاساً لتغير الأولويات والطموحات الشخصية لدى جيل جديد يسعى إلى بناء مستقبله المهني أولاً.
من جهتهم، يؤكد مختصون في علم الاجتماع أن الظاهرة لا يمكن تفسيرها بعامل واحد. ويشيرون إلى أن الضغوط الاقتصادية تشكل سبباً رئيسياً بلا شك، لكنها تتداخل مع عوامل أخرى مثل التحولات الثقافية، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وتغير مفهوم الأسرة، وارتفاع مستوى التعليم لدى الشباب والشابات.
ويقول باحثون اجتماعيون إن المقارنة بين الأجيال تكشف عن اختلافات كبيرة في الظروف المحيطة بقرار الزواج. فبينما كان الزواج في السابق يتم بإمكانات بسيطة نسبياً وبدعم اجتماعي وعائلي واسع، أصبح كثير من الشباب اليوم يشعرون بضرورة تحقيق مستوى معين من الاستقرار المالي قبل الإقدام على هذه الخطوة، وهو ما يؤدي إلى تأجيلها لسنوات طويلة.
وفي المقابل، يرى بعض المراقبين أن المجتمع نفسه يتحمل جزءاً من المسؤولية من خلال المغالاة في تكاليف الزواج والمبالغة في متطلباته. ويشيرون إلى أن بعض العادات الاجتماعية المتعلقة بالمهر والاحتفالات والسكن المستقل تضيف أعباء مالية كبيرة على الشباب، ما يدفع كثيرين إلى تأجيل الزواج أو العزوف عنه.
ويرد مؤيدو هذا الطرح بأن الظروف الاقتصادية الحالية تجعل حتى الزواج البسيط تحدياً حقيقياً لكثير من الشباب، مؤكدين أن المشكلة لا تتعلق فقط بحجم التكاليف وإنما أيضاً بمحدودية الدخل وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية مقارنة بسنوات سابقة.
ويحذر مختصون من أن استمرار ارتفاع معدلات العزوبية وتأخر سن الزواج قد يترك آثاراً اجتماعية ونفسية واقتصادية بعيدة المدى، تستدعي معالجة شاملة تشمل توفير فرص العمل وتحسين مستويات الدخل وتخفيف الأعباء المعيشية، إلى جانب تعزيز المبادرات المجتمعية التي تشجع على تبسيط متطلبات الزواج.
وبين من يعتبر العزوبية خياراً شخصياً فرضته التحولات الاجتماعية الحديثة، ومن يراها نتيجة مباشرة للأوضاع الاقتصادية الصعبة، يتفق كثيرون على أن القضية أصبحت مرآة تعكس حجم التحديات التي تواجه الشباب في بناء مستقبلهم، وأن البحث عن حلول عملية بات ضرورة ملحة في ظل تزايد أعداد من يؤجلون قرار الزواج عاماً بعد آخر.