أخبار اليوم - راما منصور
في وقت باتت فيه الهواتف الذكية وأجهزة الألعاب جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، لم تعد الألعاب الإلكترونية مجرد وسيلة ترفيه عابرة، بل تحولت إلى نشاط يمارسه الملايين من الأطفال والشباب لساعات طويلة يوميًا، ما فتح الباب أمام تساؤلات متزايدة حول الحدود الفاصلة بين التسلية المشروعة والإدمان الذي قد ينعكس على الصحة النفسية والاجتماعية والتعليمية.
وفي العديد من المنازل، أصبحت مشاهد الأبناء المنهمكين أمام الشاشات لساعات متواصلة أمرًا مألوفًا، خاصة خلال العطل المدرسية والإجازات الصيفية، حيث يجد كثير من الأهالي أنفسهم أمام تحدٍ متكرر يتمثل في كيفية تنظيم وقت أبنائهم ومنع الألعاب من الاستحواذ على الجزء الأكبر من يومهم.
ويرى مؤيدون للألعاب الإلكترونية أنها لم تعد مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت مساحة للتعلم وتنمية المهارات الذهنية وسرعة اتخاذ القرار والعمل الجماعي، مشيرين إلى أن العديد من الألعاب الحديثة تتطلب التفكير الاستراتيجي والتخطيط والتعاون بين اللاعبين، كما أنها ساهمت في ظهور صناعات جديدة وفرص عمل مرتبطة بمجال الألعاب الرقمية وصناعة المحتوى الإلكتروني.
ويقول عدد من الشباب إن الألعاب توفر لهم متنفسًا من ضغوط الدراسة والعمل والحياة اليومية، وتمنحهم فرصة للتواصل مع أصدقائهم حتى في حال تواجدهم في مدن أو دول مختلفة، معتبرين أن المشكلة لا تكمن في الألعاب نفسها بقدر ما تكمن في سوء الاستخدام وغياب الرقابة أو التنظيم.
في المقابل، يحذر مختصون تربويون من تزايد الحالات التي يظهر فيها تعلق مفرط بالألعاب الإلكترونية، خاصة بين الأطفال والمراهقين، حيث يؤدي الاستخدام المفرط إلى تراجع التحصيل الدراسي واضطرابات النوم وضعف النشاط البدني والعزلة الاجتماعية. ويؤكدون أن بعض الألعاب تعتمد على آليات مصممة لإبقاء اللاعب متصلًا لأطول فترة ممكنة عبر المكافآت المستمرة والتحديات المتجددة، ما يجعل الانفصال عنها أكثر صعوبة لدى بعض الفئات العمرية.
كما يلفت مراقبون إلى أن انتشار الألعاب عبر الهواتف المحمولة جعل الوصول إليها أسهل من أي وقت مضى، فلم يعد الأمر يحتاج إلى أجهزة متخصصة أو أماكن محددة، بل أصبحت الألعاب ترافق المستخدم في المنزل والمدرسة والعمل وأثناء التنقل، الأمر الذي ساهم في زيادة عدد الساعات التي يقضيها الأفراد أمام الشاشات.
ومن جهة أخرى، يرى خبراء اجتماعيون أن النقاش لا ينبغي أن يقتصر على تصنيف الألعاب باعتبارها مفيدة أو ضارة، بل يجب التركيز على طبيعة المحتوى المقدم ومدة الاستخدام ومدى تأثيره على التوازن اليومي للفرد. فكما يمكن أن تكون الألعاب وسيلة للتعلم والترفيه والتواصل، فإنها قد تتحول إلى مشكلة حقيقية عندما تؤدي إلى إهمال الواجبات الدراسية أو المهنية أو العلاقات الأسرية والاجتماعية.
وفي الشارع الأردني، تتباين الآراء بين أولياء أمور يرون أن الألعاب الإلكترونية أصبحت تستهلك وقت أبنائهم على حساب الأنشطة الأخرى، وبين شباب يؤكدون أن الانتقادات الموجهة للألعاب مبالغ فيها وأن الأجيال الجديدة تتعامل مع العالم الرقمي بوصفه جزءًا طبيعيًا من حياتها اليومية.
ومع استمرار التطور التقني واتساع سوق الألعاب عالميًا، يبقى السؤال مطروحًا: هل تمثل الألعاب الإلكترونية وسيلة ترفيه عصرية يمكن الاستفادة من مزاياها، أم أن الإفراط في استخدامها يدفع المزيد من المستخدمين نحو أنماط سلوكية تقترب من الإدمان؟ سؤال تتعدد حوله الإجابات، لكن المؤكد أن تحقيق التوازن بين المتعة والمسؤولية يظل العامل الأهم في تحديد طبيعة العلاقة بين الإنسان وشاشته.