المدن التي نخطط لها .. والأردن الذي نعيش فيه: لماذا تتأخر المدن عن طموح الناس؟

mainThumb
المدن التي نخطط لها.. والأردن الذي نعيش فيه: لماذا تتأخر المدن عن طموح الناس؟

20-07-2026 09:58 AM

printIcon

الدكتورة ميرفت المهيرات

في الأردن، نحن بارعون في وصف المستقبل نتحدث عن المدن الذكية، وجودة الحياة، والتنمية المحلية، والاستدامة والتحول الرقمي. نكتب الاستراتيجيات، ونطلق المبادرات، ونُجري الدراسات، لكن المواطن لا يعيش في الاستراتيجية؛ هو يعيش في شارع، يقف في أزمة سير، يبحث عن موقف، ويمشي على رصيف قد ينتهي فجأة، ويراقب مدينته وهي تكبر أسرع من قدرتها على تنظيم نفسها.وهنا السؤال: هل تنقصنا الخطط، أم أننا أصبحنا نخطط أكثر مما ننفذ؟

الفجوة بين العاصمة والمحافظات ليست مجرد شعور. ففي الربع الأول من عام 2026، سجلت البطالة بين إجمالي السكان 11.4% في عمّان، مقابل 28.2% في المفرق، بينما سجلت معان أعلى معدل بطالة بين الأردنيين بنسبة 26.6% وفي الوقت نفسه، تضم محافظة عمّان أكثر من خمسة ملايين نسمة.هذه الأرقام تطرح سؤالًا مهمًا: هل تركّز السكان في العاصمة هو سبب تركّز الموارد والخدمات فيها، أم أن تركّز الفرص والخدمات هو الذي يدفع الناس إلى عمّان؟ التنمية المحلية لا تعني تحسين الطريق من المحافظة إلى العاصمة، بل أن لا يضطر ابن المحافظة إلى القدوم إلى عمّان بحثًا عن كل فرصة، ومن السهل أن نحمّل البلديات مسؤولية كل شيء: الشارع والنظافة والتنظيم والحدائق، وحتى التنمية والبطالة. لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا. فبلديات عديدة مطالبة بأن تكون محركًا للتنمية، بينما ما تزال تقضي معظم وقتها في المحافظة على الحد الأدنى من الخدمات. نريد منها الابتكار وهي مشغولة بالصيانة، وجذب الاستثمار وهي تعاني من محدودية الإيرادات، والتخطيط للمستقبل بينما يضغط الشارع لحل مشكلة اليوم. المشكلة هنا في الفجوة بين المسؤولية والصلاحية والموارد والقدرة المؤسسية.

أما عمّان، فقد قطعت أمانة عمّان الكبرى شوطًا مؤسسيًا مهمًا، وحصلت على شهادة وفق معيار ISO 37106:2021 للمدن والمجتمعات الذكية والمستدامة، لكن علينا التمييز بين الجاهزية المؤسسية والنتيجة التي يشعر بها المواطن.ففي مؤشر IMD للمدن الذكية لعام 2026، جاءت عمّان في المرتبة 131، كما أشار التقرير الطوعي المحلي للمدينة إلى محدودية الوصول إلى الحدائق والمساحات الخضراء، بواقع يقارب 2.5 متر مربع للفرد.إذن، هل تتقدم عمّان؟ نعم. لكن هل وصلت إلى طموح المدينة الذكية والمستدامة التي يشعر المواطن بأثرها في تفاصيل حياته؟ ليس بعد. والقول بذلك ليس تقليلًا من الإنجاز، بل بداية حقيقية للتحسين.مشكلتنا أننا أحيانًا نعيد دراسة ما نعرفه لنكتشف المشكلة، نشكل لجنة، نعد دراسة، ونطلق توصيات، ثم تتغير الأولويات أو المسؤولون، وبعد سنوات نعود إلى المشكلة نفسها بعنوان جديد ومصطلحات أحدث.

أحيانًا لا نعاني من نقص المعرفة، بل من فائض التشخيص ونقص التنفيذ.
الحوكمة ليست أن تنشر المؤسسة خطتها، بل أن تقول للناس بوضوح: ماذا وعدنا؟ ماذا أنجزنا؟ ماذا تعثر؟ ولماذا؟ نحن بحاجة إلى الدراسات والتخطيط، لكن الدراسة يجب أن تقود إلى قرار، والقرار إلى مشروع، والمشروع إلى أثر، والأثر إلى قياس، ثم يأتي الحساب أما الانتقال من استراتيجية إلى أخرى دون قياس الأثر، فقد يحول التخطيط من أداة للتغيير إلى منطقة راحة مؤسسية.الإدارة المحلية في الأردن بحاجة إلى إعادة تعريف النجاح ليس بعدد المعاملات أو المشاريع أو حجم الإنفاق، بل بثلاثة أسئلة: هل تحسنت حياة الناس؟ هل أصبحت المدينة أكثر قدرة على خلق الفرص؟ وهل شعر المواطن بالفرق؟ كما أن خبرة عمّان يجب ألا تبقى محصورة داخل العاصمة، بل تتحول إلى معرفة وطنية تستفيد منها البلديات، دون نسخ التجربة؛ فإربد ليست عمّان، والكرك ليست إربد، ومعان ليست الزرقاء. لكل مدينة هويتها ومواردها وفرصها.في النهاية، المواطن لا يعرف رقم المعيار الدولي الذي حصلت عليه مدينته، ولا يفترض أن يعرفه هو يعرف كم استغرق طريقه إلى العمل، وهل وجد ابنه حديقة، وهل تستطيع أمه السير على رصيف آمن، وهل سيجد الشاب فرصة في محافظته أم سيحزم حقيبته إلى عمّان.

المدينة لا تقرأ التقرير… الناس يعيشون نتائجَه.
لذلك، بدل أن نسأل: كم خطة أعددنا؟ ربما حان الوقت أن نسأل: ما الذي تغيّر؟ الأردن لا تنقصه العقول ولا الدراسات ولا الرؤى ما نحتاجه هو أن تصبح المسافة من الورق إلى الشارع أقصر؛ لأن المدينة الناجحة لا تُقاس بما تعد به الناس، بل بما يلاحظه الناس دون أن تضطر إلى إخبارهم به.