أخبار اليوم - في واحدة من أخطر حلقات التصعيد التي يشهدها المسجد الأقصى منذ سنوات، كثّفت سلطات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنون المتطرفون محاولاتهم لفرض وقائع جديدة داخل الحرم القدسي، عبر اقتحامات غير مسبوقة من حيث الحجم والتنظيم، تزامنت مع ما تسمى "ذكرى خراب الهيكل" أول من أمس.
ولم تعد هذه الاقتحامات مجرد ممارسات استفزازية متكررة، بل تحولت إلى أداة سياسية تنفذها حكومة الاحتلال بصورة علنية، وبمشاركة وزراء وأعضاء في الكنيست وقادة جماعات "الهيكل"، في إطار مشروع متدرج يستهدف تقويض الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى.
ويأتي هذا التصعيد في توقيت بالغ الحساسية، مستفيداً من انشغال المجتمع الدولي بالأزمات الإقليمية المتلاحقة، وفي مقدمتها الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، بما يتيح لحكومة الاحتلال توسيع إجراءاتها في القدس بعيداً عن أي ضغوط أو مساءلة دولية فاعلة.
ويحذر مختصون في الشأن المقدسي من أن ما يجري لم يعد يقتصر على تكثيف الاقتحامات أو توسيع نطاق الطقوس التلمودية داخل باحات المسجد، بل يمثل مرحلة جديدة تهدف إلى تكريس التقسيم الزماني والمكاني، وفرض ما تسمى "سيادة" إسرائيلية فعلية على المسجد الأقصى، في مسار يهدد بتغيير هوية أحد أكثر الأماكن حساسية في العالم، ويضع المدينة المقدسة أمام مرحلة شديدة الخطورة قد تمتد تداعياتها إلى المنطقة بأسرها.
أداة لفرض وقائع جديدة
ويؤكد المختص بشؤون القدس، زياد الحموري، أن هذه الاقتحامات ليست مجرد استفزازات بل هي جزء لا يتجزأ من "مخطط استراتيجي للاحتلال يهدف إلى تحويل هذه المناسبة التوراتية اليهودية إلى أداة لفرض وقائع جديدة داخل المسجد الأقصى" .
وأوضح خلال حديثه مع صحيفة "فلسطين" أن الاحتلال يسعى جاهداً لاستغلال هذه الذكرى لتكثيف الاقتحامات وتغيير طبيعة الوجود الفلسطيني والإسلامي في الأقصى.
وأضاف الحموري أن "محاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى تتواصل عبر المطالبات بالسماح بالاقتحامات الليلية وتوسيع نطاق الاقتحامات لتغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم" .
وأشار إلى أن هذه المطالبات ليست جديدة، لكنها تتخذ أبعاداً أكثر خطورة في ظل الدعم الحكومي غير المسبوق لهذه الجماعات المتطرفة. وشدد على أن "الاحتلال يحاول خلق سوابق جديدة من خلال زيادة أعداد المقتحمين وتحديد مسارات ثابتة لهم داخل باحات الأقصى، بالإضافة إلى محاولات إقامة شعائر تلمودية علنية" .
وأكد الحموري أن "الهدف الأسمى لهذه الممارسات هو السيطرة الكاملة على المسجد الأقصى وتحويله إلى ساحة صراع ديني، تمهيداً لبناء الهيكل المزعوم"، محذرا من أن "الصمت الدولي تجاه هذه الانتهاكات يشجع الاحتلال على المضي قدماً في مخططاته التهويدية، مما يهدد بتفجير الأوضاع في المنطقة بأسرها".
ودعا الحموري المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته والضغط على الاحتلال لوقف هذه الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي والاتفاقيات التي تحمي الأماكن المقدسة.
حرب دينية
من ناحيته، اعتبر الخبير في شؤون القدس، حسن خاطر، أن "هذه الاقتحامات المتصاعدة للمسجد الأقصى ليست بمعزل عن التطورات الإقليمية، بل هي سعي إسرائيلي حثيث لتحويل الحرب الإقليمية الدائرة إلى حرب دينية" .
وأوضح خاطر خلال حديثه مع صحيفة "فلسطين" أن الاحتلال يحاول استغلال التوترات الجيوسياسية في المنطقة لإضفاء طابع ديني على الصراع، بهدف حشد الدعم الشعبي والدولي لممارساته العدوانية في القدس.
وشدد على أن "تصعيد اقتحامات الأقصى جاء تزامناً مع تصاعد الهجمات الاستيطانية على الضفة الغربية وزيادة التضييق والحصار والقصف على قطاع غزة" . وأشار إلى أن هذه الممارسات المتزامنة تكشف عن استراتيجية إسرائيلية متكاملة لفرض سيطرتها الكاملة على الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وأضاف خاطر أن "خطاب جماعات الهيكل يكشف أهدافاً تهويدية تتجاوز مجرد الاقتحامات، من خلال الدعوات المرتبطة بإقامة 'الهيكل المزعوم' والسعي لتغيير هوية المسجد الأقصى ومكانته الدينية والتاريخية" .
وأكد أن هذه الجماعات لا تخفي أهدافها، بل تعلن عنها صراحة، مما يستدعي يقظة وتحركاً عاجلاً من الأمتين العربية والإسلامية. وحذر من أن "الاحتلال يسعى إلى طمس المعالم الإسلامية للمسجد الأقصى واستبدالها برموز يهودية، في محاولة لمحو الوجود الفلسطيني في المدينة المقدسة".
ودعا خاطر "المقدسيين وفلسطينيي الداخل المحتل إلى شد الرحال للمسجد الأقصى والرباط فيه وحمايته من مخططات الاحتلال والمستوطنين".
وأكد أن "الرباط في الأقصى هو خط الدفاع الأول عن المدينة المقدسة، وهو رسالة واضحة للاحتلال بأن المسجد الأقصى خط أحمر لا يمكن تجاوزه"، مشدداً على أن "الوحدة والتكاتف بين أبناء الشعب الفلسطيني، بمختلف أطيافه، هو السبيل الوحيد لإفشال مخططات الاحتلال التهويدية وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس".
المصدر / فلسطين أون لاين