أخبار اليوم - راما منصور
تعود قضية اختيار القيادات في المؤسسات العامة إلى واجهة النقاش كلما صدرت قرارات بتعيين أو تغيير مسؤولين في مواقع قيادية، وسط تساؤلات حول المعايير التي تحكم هذه الاختيارات، وما إذا كانت الأولوية تُمنح للخبرة والكفاءة والتخصص، أم أن بعض المواقع تشهد انتقال المسؤول ذاته بين أكثر من منصب ومؤسسة خلال فترات زمنية متقاربة.
ويرى مراقبون أن الحديث عن تدوير المناصب لا يرتبط بالضرورة بوجود مشكلة في انتقال المسؤولين بين المواقع، إذ يمكن أن يكون التدوير الإداري أداة للاستفادة من الخبرات المتراكمة وإعادة توزيع الكفاءات، لكن الإشكالية تبدأ عندما يصبح الانتقال بين المناصب بديلاً عن ضخ دماء جديدة أو عندما لا تكون معايير الاختيار واضحة للرأي العام.
وفي المقابل، يؤكد مؤيدون لفكرة الاستفادة من القيادات ذات الخبرة أن إدارة المؤسسات العامة تحتاج إلى معرفة متراكمة بطبيعة العمل الحكومي وتشابكاته، وأن المسؤول الذي أثبت قدرته في موقع معين قد يكون أكثر جاهزية لتولي مسؤوليات جديدة، خصوصاً في الملفات التي تتطلب معرفة دقيقة بالتشريعات والإجراءات وآليات العمل داخل الدولة.
لكن منتقدين يشيرون إلى أن الخبرة وحدها لا تكفي لتقييم أداء القيادات، وأن بقاء المسؤول في دائرة المناصب القيادية يجب أن يرتبط بنتائج قابلة للقياس، مثل تحسين مستوى الخدمات، ورفع كفاءة الإنفاق، وتسريع الإنجاز، ومعالجة المشكلات التي تواجه المؤسسة، وليس فقط بعدد السنوات التي قضاها في العمل العام.
ويبرز هنا سؤال أوسع يتعلق بآلية تقييم القيادات العامة، ومدى وجود معايير معلنة يمكن من خلالها الحكم على نجاح المسؤول قبل نقله إلى موقع آخر. فالمؤسسة العامة، بحسب مختصين، لا تحتاج فقط إلى مدير يمتلك خبرة إدارية، وإنما إلى قيادة قادرة على اتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية، وتطوير الأداء، والاستجابة للتغيرات.
كما أن انتقال المسؤول بين أكثر من موقع قد يحمل جانباً إيجابياً إذا كان جزءاً من مسار وظيفي واضح، يهدف إلى الاستفادة من خبرته في مواقع مختلفة، لكنه قد يتحول إلى مصدر انتقاد إذا بدا للرأي العام وكأنه إعادة تدوير للأسماء ذاتها دون ارتباط واضح بإنجازات أو نتائج جديدة.
ويرى مختصون في الإدارة العامة أن الإصلاح الإداري لا يبدأ من تغيير الأشخاص فقط، بل من بناء منظومة واضحة لاختيار القيادات وتقييمها ومحاسبتها، بحيث تكون الكفاءة والخبرة والتخصص والقدرة على الإنجاز عناصر أساسية في أي قرار تعيين أو تجديد أو نقل.
وبين من يرى في الخبرة المتراكمة رصيداً ينبغي البناء عليه، ومن يطالب بتجديد القيادات وفتح المجال أمام كفاءات جديدة، تبقى القضية مرتبطة بمدى قدرة المؤسسات العامة على تحويل اختيار القيادات من قرار إداري إلى عملية تستند إلى معايير واضحة ونتائج ملموسة.
وفي المحصلة، فإن بناء مؤسسات عامة أكثر كفاءة لا يرتبط بكثرة تغيير الأسماء أو استمرارها، بل بقدرة الدولة على وضع معايير دقيقة لاختيار القيادات، وربط شغل المناصب بالإنجاز والكفاءة والنتائج. فالمناصب العامة ليست امتيازاً وظيفياً، وإنما مسؤولية تتطلب تجديداً حين تدعو الحاجة، والاستفادة من الخبرات حين تثبت جدواها، بما يضمن أن يكون معيار الوصول إلى موقع القيادة هو القدرة على صناعة الفرق وتحسين أداء المؤسسة وخدمة المواطن.