أيام التوظيف في الأردن تحت المجهر .. أين أرقام التشغيل بعد انتهاء الفعاليات؟

mainThumb
أيام التوظيف في الأردن تحت المجهر.. أين أرقام التشغيل بعد انتهاء الفعاليات؟

01-10-2026 03:00 PM

printIcon

أخبار اليوم – تالا الفقيه

تتكرر في الأردن فعاليات «الأيام الوظيفية» و«أيام التشغيل» وملتقيات التوظيف التي تنظمها جهات مختلفة بالتعاون مع شركات القطاع الخاص، ويُعلن خلالها عن مئات أو آلاف فرص العمل، فيما يتوافد إليها الباحثون عن وظيفة حاملين سيرهم الذاتية على أمل أن تكون المشاركة بوابة فعلية إلى سوق العمل.

لكن المشهد الذي يتكرر بعد كثير من هذه الفعاليات يفتح بابًا واسعًا للنقاش: صور للقائمين على الفعالية، وأرقام عن الشركات المشاركة والباحثين عن العمل، وحديث عن فرص وظيفية متاحة، ثم تنتهي الفعالية من دون أن يعرف الرأي العام في كثير من الأحيان كم شخصًا تم تشغيله فعلًا.

وهنا تبدأ المشكلة، لأن إقامة يوم وظيفي ليست إنجازًا بحد ذاتها، وعدد الحضور لا يعكس حجم التشغيل، واستلام السير الذاتية لا يعني توفير وظائف، والمقابلة الأولية لا تعني أن الباحث عن العمل أصبح موظفًا.

أحد الباحثين عن العمل، ممن شاركوا في أكثر من فعالية توظيف، يلخص تجربته بالقول: «نذهب ونقدم السيرة الذاتية ونجري مقابلة سريعة، وبعدها نعود إلى البيت وننتظر اتصالًا. المشكلة أننا لا نعرف ماذا حدث للوظائف التي أعلنوا عنها ولا كم شخصًا تم تعيينه».

ويقول مواطن آخر إن الإعلان عن اليوم الوظيفي يرفع سقف التوقعات لدى الشباب، مضيفًا: «عندما أقرأ أن هناك مئات فرص العمل أتوقع أن الشركات جاءت لتوظف. إذا كان المطلوب فقط أخذ السيرة الذاتية، فأنا أستطيع إرسالها للشركة من البيت، فلماذا أذهب إلى يوم توظيف؟».

هذه الآراء تضع يدها على الفارق بين «التشبيك» و«التشغيل». فاليوم الوظيفي قد ينجح في جمع الباحث عن العمل بصاحب العمل، لكنه لا يصبح نجاحًا تشغيليًا إلا عندما تتحول المقابلة إلى عرض وظيفي، والعرض إلى عقد، والعقد إلى مباشرة فعلية واستمرار في الوظيفة.

ويرى خبراء في سوق العمل أن المعيار المهني لتقييم أي يوم وظيفي يجب أن يبدأ بعد انتهائه، من خلال إعلان عدد المتقدمين، وعدد من أجريت معهم مقابلات، وعدد من تلقوا عروضًا وظيفية، وعدد العقود التي وُقعت، ثم عدد من باشروا العمل فعليًا.

ويشير خبراء إلى أن الإعلان عن ألف فرصة عمل، على سبيل المثال، لا يعني تشغيل ألف شخص، لأن الفرصة المعلنة قد لا تُشغل أصلًا، وقد يتقدم إليها عشرات الأشخاص دون اختيار أحد منهم، وقد يتم اختيار موظف ثم يغادر بعد فترة قصيرة بسبب الراتب أو ساعات العمل أو مكان الوظيفة.

ويقول أحد الشباب الباحثين عن العمل إن المشكلة بالنسبة إليه تبدأ من غياب التفاصيل، موضحًا: «أحيانًا نذهب ونكتشف أن الراتب أو مكان العمل أو ساعات الدوام لا تناسبنا. لماذا لا تُعلن هذه التفاصيل مع الوظيفة من البداية حتى يعرف الشخص إذا كانت الفرصة مناسبة له قبل أن يذهب؟».

وهذه النقطة تحديدًا يراها مختصون أساسية، إذ يفترض أن تدخل الشركة إلى اليوم الوظيفي وهي تحمل شواغر حقيقية ومحددة، تتضمن المسمى الوظيفي وعدد المطلوبين والراتب ومكان العمل وساعات الدوام والمؤهلات المطلوبة، وليس بهدف جمع أكبر عدد ممكن من السير الذاتية للاحتفاظ بها لحاجة مستقبلية.

وتطرح مواطنة باحثة عن العمل زاوية أخرى تتعلق بتكرار التجربة، قائلة: «شاركت في أيام وظيفية أكثر من مرة، وفي كل مرة نسمع أن هناك فرصًا كثيرة. نريد بعد شهر أن يقولوا لنا كم واحدًا توظف فعلًا، حتى نعرف هل هذه الأيام تحقق نتيجة أم أننا نكرر التجربة نفسها».

وهذا المطلب يمكن أن يشكل نقطة التحول في تقييم هذه الفعاليات، إذ إن نشر تقرير للنتائج بعد شهر من كل يوم وظيفي سيقدم صورة مختلفة تمامًا عن الصور التي تُنشر يوم انعقاده: عدد العقود الموقعة، وعدد الذين باشروا العمل، والقطاعات التي استوعبتهم، ومتوسط الرواتب، وعدد المسجلين في الضمان الاجتماعي.

ويرى اقتصاديون أن المتابعة يجب ألا تتوقف عند لحظة التعيين، لأن جودة الوظيفة واستدامتها لا تقلان أهمية عن توفيرها. فإذا تم تشغيل 500 شخص وغادر نصفهم وظائفهم خلال أشهر قليلة بسبب الأجر أو ظروف العمل أو كلفة المواصلات، فإن رقم التشغيل الأولي وحده لا يقدم الصورة الحقيقية.

ويقول مواطن آخر: «الشاب لا يريد أن يقال له إننا وفرنا لك فرصة فقط، يريد وظيفة يستطيع أن يستمر فيها. إذا كان نصف راتبه سيذهب للمواصلات أو كانت ساعات العمل طويلة جدًا، سيتركها ويرجع عاطلًا عن العمل».

ويرى خبراء أن هذا الجانب يفرض الانتقال من قياس عدد «الفرص» إلى قياس عدد «الوظائف المستدامة»، لأن الهدف النهائي من سياسات التشغيل هو إدخال المواطنين إلى سوق العمل والمحافظة على وجودهم فيه، وليس تسجيل رقم في يوم محدد ثم فقدانه بعد أسابيع.

كما يثير تكرار الأيام الوظيفية سؤالًا حول مسؤولية الشركات المشاركة نفسها. فإذا أعلنت شركة وجود عشرة شواغر وشاركت في فعالية توظيف، فمن الطبيعي أن تكون هناك متابعة لاحقة لمعرفة عدد الوظائف التي شغلتها من بين العشرة، وإذا بقيت جميعها شاغرة، فما الأسباب؟

ويرى مختصون أن هذه المتابعة ستكشف أيضًا جانبًا آخر من مشكلة البطالة، فقد تكون هناك وظائف فعلية لا تجد من يقبل بها بسبب انخفاض الأجور أو طبيعة العمل أو بعد مكانه، وهنا يصبح المطلوب معالجة أسباب عدم التوافق بين الباحثين عن العمل والفرص المتاحة بدل الاكتفاء بتكرار عرض الوظائف نفسها في فعاليات جديدة.

ويقول شاب شارك في إحدى فعاليات التشغيل: «نحن لا نطلب أن يعطونا وظيفة لمجرد حضورنا، لكن نريد أن نشعر أن هناك عملية توظيف حقيقية، مقابلة حقيقية، جوابًا بالقبول أو الرفض، وليس أن نعطيهم السيرة الذاتية ونغادر».

وتختصر هذه العبارة جانبًا مهمًا من القضية، فالاحترام المهني للباحث عن العمل يبدأ أيضًا بإخباره بنتيجة طلبه، حتى في حالة الرفض، بدل ترك مئات المتقدمين في انتظار اتصال لا يعرفون إن كان سيأتي.

ويرى مختصون أن المطلوب تحويل اليوم الوظيفي من «فعالية» إلى «مسار تشغيل» يبدأ قبل موعده بحصر الشواغر الحقيقية ومطابقتها مع الباحثين عن العمل، ويمر بالمقابلات والاختيار، وينتهي بالتعيين والمتابعة وقياس الاستمرار في الوظيفة.

أما الصور والافتتاحات والحضور الرسمي فهي جزء من أي فعالية عامة، لكنها لا تستطيع وحدها الإجابة عن السؤال الذي يعني الباحث عن العمل: ماذا حدث في اليوم التالي؟