أخبار اليوم – تالا الفقيه
خلف القطع الصغيرة التي يحملها يوسف بين يديه حكاية أكبر من مشروع فني، وحلم أم أرادت أن تمنح ابنها بداية الطريق، ثم تترك له المساحة ليختار مستقبله ويثبت نفسه بطريقته، بعيدًا عن أي صورة نمطية قد تختصره في متلازمة داون.
راضية السرور، أم لولدين وبنات، تعمل ممرضة وتمتلك مشروعًا تراثيًا في مجال الفخار منذ نحو سبع إلى ثماني سنوات، تقول إن علاقتها بالفن والأعمال اليدوية بدأت منذ طفولتها، قبل أن يتحول هذا الشغف مع مرور السنوات إلى مشروع تعمل من خلاله في صناعة الفخار والقطع التراثية.
بدأت السرور بصناعة الشموع، ثم صنعت أول قطعة لها من الفخار، لتبدأ بعدها رحلتها الفعلية مع هذا الفن، وتؤسس مشروعها الذي أصبح جزءًا من حياتها إلى جانب عملها في التمريض.
لكن الحكاية أخذت اتجاهًا مختلفًا عندما فكرت في يوسف.
كان يوسف يساعد والدته داخل المشغل، ومن هنا بدأت تفكر في تأسيس مساحة خاصة به داخل المشروع، يستطيع من خلالها العمل والتعلم والشعور بأن له دورًا حقيقيًا، وليس مجرد وجود عابر إلى جانبها.
وتقول السرور إن يوسف طفل من متلازمة داون، وإنها أرادت من خلال تجربته أن توصل رسالة واضحة بأن ذلك لن يمنعه من السير نحو أحلامه أو امتلاك مشروع ومساحة خاصة به.
ومن هذه الفكرة بدأ مشروع يوسف بقطع من الجبس مخصصة للأطفال يمكن تلوينها، وأصبح يشارك والدته في تجهيزها ونقلها وترتيبها، قبل أن تتوسع مسؤوليته تدريجيًا ليصبح جزءًا فعليًا من العمل.
ولا تقتصر مشاركة يوسف على المشغل، إذ أصبح يتولى توصيل بعض الطلبات إلى الزبائن، فيما تعاقدت إحدى مدن الألعاب على الحصول على منتجات المشروع بصورة دورية، وبات القائمون عليها يطلبون أن يكون يوسف هو من يجهز طلبياتهم.
وترى والدته في هذه التفاصيل رسالة إلى المجتمع تتجاوز حدود المشروع نفسه، لأن يوسف أصبح يعرف القطع التي يعمل عليها، ويتفاعل معها، ويدرك أن هناك عملًا ينتظره ومسؤولية يؤديها.
وتقول إن يوسف يمتلك شغفًا واضحًا بالمشروع، ويصف نفسه باستمرار بكلمة «فنان»، ولا يتعامل مع ما يقوم به باعتباره نشاطًا صغيرًا أو مجرد مساعدة لوالدته، وإنما يشعر بأن له بصمته الفنية الخاصة التي يحبها ويستمتع بالعمل فيها.
وتضيف أن أكثر ما تتمناه هو أن يرى الناس يوسف كما هو، بجماله وضحكته وعفويته وحنانه وإنسانيته وصدقه، وأن يتعاملوا معه بوصفه يوسف أولًا، بعيدًا عن أي تصنيف يسبق شخصيته وقدراته.
ورغم الأحلام الكثيرة التي تحملها الأم لابنها، فإنها لا تريد أن ترسم مستقبله بدلًا منه، وتؤكد أن ما قدمته له لا يتجاوز «أول الخيط»، فيما يبقى الطريق الحقيقي طريق يوسف نفسه.
وتقول السرور إن يوسف لديه بالتأكيد أحلام وطموحات أخرى ستظهر مع الوقت، وإنها تريد أن تمنحه البداية والثقة والفرصة، ثم تراه وهو يثبت نفسه ويختار الطريق الذي يشبهه.
وفي مشغل صغير تتوزع فيه قطع الفخار والألوان والأعمال اليدوية، بدأت الحكاية بمساعدة طفل لوالدته، ثم تحولت إلى مشروع يحمل اسمه، ومساحة يكتشف فيها يوسف قدراته ويضع فيها بصمته الخاصة، فيما تقف والدته إلى جانبه بأمنية واحدة: أن يكبر وهو قادر على أن يصنع طريقه بنفسه.