في اليوم العالمي للتعليم .. خيام بغزة تُقاوم الجهل وتنتصر للأمل

mainThumb
في اليوم العالمي للتعليم.. خيام بغزة تُقاوم الجهل وتنتصر للأمل

24-01-2026 12:53 PM

printIcon

أخبار اليوم - في خيمة بإحدى مخيمات النزوح جنوبي خان يونس، تقف المعلمة أسماء مصطفى أمام مجموعة من الأطفال الذين فقدوا مدارسهم كما فقدوا بيوتهم ومدنهم، بفعل حرب الإبادة التي شنّتها إسرائيل على قطاع غزة، وتحاول أن تستعيد لهم حقا أساسيا سُلب منهم قسرا: حق التعليم.

ووسط واقع النزوح والقصف والحرمان، جمعت المعلمة أطفال المخيم لتعليمهم مهارات القراءة والكتابة، بعد أن اقتُلعت حياتهم التعليمية من جذورها.

ولم تكن الخيمة صفا دراسيا تقليديا، لكنها تحوّلت إلى مساحة أمل ومقاومة في وجه الجهل والانقطاع، كما تقول المعلمة.



مبادرات ذاتية
تقول أسماء "أطلقت مبادرة (كل يوم حكاية) بعد أقل من شهر على بدء حرب الإبادة، وفي ذروة النزوح والخوف وانعدام الاستقرار"، وأوضحت أن مبادرتها جاءت بوصفها "فعل حياة"، ومحاولة للتخفيف من حدّة الصدمة النفسية التي تعرّض لها الأطفال جراء العدوان.

وأضافت "اعتمدتُ على التعليم بالحكايات كمدخل يومي لإعادة الإحساس بالأمان، وبناء المعنى، وترميم أرواح صغيرة أنهكتها الحرب"، مشيرة إلى أن أساليب القصة والمحاكاة التي استخدمتها في طريقتها التعليمية شكّلت جسرا إنسانيا بين الطفل وواقعه القاسي، وأداة تربوية لإعادة التواصل مع الحياة.

ورغم تنقّلها القسري بين مناطق النزوح من غزة إلى رفح، ثم خان يونس فالنصيرات، واصلت أسماء مبادرتها، ووسّعتها لتشمل تعليم المهارات الأساسية إلى جانب التعليم بالقصة، واستخدمت أدوات بسيطة، مثل الدراما والموسيقى والدبكة وأنشطة التفريغ الانفعالي، لتحويل المساحة التعليمية إلى ملاذ نفسي قبل أن تكون صفا دراسيا.


وعبر هذه المبادرة، تمكّنت أسماء، وهي عضو في منتدى معلمي غزة، من تعليم أكثر من ألفي طفل في مناطق مختلفة من القطاع، وأسهمت في افتتاح 5 نقاط تعليمية، إلى جانب توثيق "تجربة التعليم في غزة بزمن الحرب عبر مشاركات إعلامية واسعة".


وعلى النهج ذاته، استطاعت المعلمة أسماء الطويل إحداث فرق ملموس في حياة الطلبة من خلال عملها في المبادرات التعليمية داخل الخيام، وركّزت على تطوير مهارات القراءة والكتابة والحساب، إلى جانب دمج الأنشطة النفسية والترفيهية والأناشيد التربوية، بما يسهم في خلق بيئة تعليمية أكثر أمانا للأطفال.

وقالت الطويل للجزيرة نت "حرصت على إعادة تعزيز المهارات الأساسية لدى الطلبة الذين انقطعوا عن الدراسة بسبب الحرب، وقدّمتُ جلسات دعم نفسي للتخفيف من آثار الصدمات الناتجة عن النزوح والقصف".

وأكدت أن التعليم في هذه المرحلة لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يُعد مدخلا أساسيا للعلاج النفسي واستعادة الشعور بالأمان، عبر التفاعل وسرد القصص والوسائل البصرية المتاحة.


اليوم العالمي
وفي اليوم العالمي للتعليم، الذي يصادف 24 يناير/كانون الثاني من كل عام، تتعمّق المفارقة بين الشعارات العالمية، التي تحتفي بحق التعليم للجميع، وبوصفه ركيزة للتنمية والعدالة وبناء المجتمعات، ويتحوّل هذا الحق في غزة إلى معركة يومية من أجل البقاء وسط الركام والخيام والنزوح.

وطالت الحرب المدمّرة الإنسان والحجر، وخلّفت واقعا تعليميا قاسيا بغزة يهدد حاضر الأجيال ومستقبلها، في انكشاف واضح للفجوة بين الخطاب العالمي والممارسة الفعلية، وعجز المجتمع الدولي عن حماية أحد أبسط حقوق الإنسان وأكثرها جوهرية.

وشهد قطاع التعليم خلال الحرب تداعيات كارثية وغير مسبوقة، تمثّلت في التدمير الواسع للمدارس، وتعطّل العملية التعليمية لفترات طويلة، وحرمان مئات آلاف الطلبة من حقهم الأساسي في التعليم.

كما استشهد وجُرح أعداد كبيرة من الطلبة والمعلمين، في حين نزحت أسر بأكملها، مما أدى إلى انقطاع الطلبة عن مقاعد الدراسة وغياب البيئة الآمنة للتعلّم.

وأثّرت الحرب بشكل مباشر على البنية التحتية التعليمية، حيث تحوّلت مدارس كثيرة إلى مراكز إيواء، وفُقدت الكتب والوسائل التعليمية، إلى جانب الأثر النفسي العميق لمشاهد القصف والخوف المستمر، الأمر الذي انعكس سلبا على تركيز الطلبة وقدرتهم على التحصيل.

وفي السياق، قال مدير دائرة الإشراف في وزارة التربية والتعليم، ماجد الأغا "ما تعرّض له قطاع التعليم في غزة يشكّل ضربة قاسية لمستقبل جيل كامل". وأكد للجزيرة نت أن الوزارة تبذل جهودا حثيثة للحفاظ على استمرارية التعليم باعتباره ضرورة وطنية وإنسانية، عبر بدائل طارئة، كاللجوء لمراكز الإيواء والفصول في الخيام، والدعم النفسي.


وبحسب معطيات المكتب الإعلامي الحكومي، تعرّض قطاع التعليم في غزة لدمار غير مسبوق، إذ لحقت أضرار بنحو 95% من مدارس القطاع، بينما تحتاج أكثر من 90% من المباني التعليمية لإعادة بناء أو تأهيل شامل.

وأظهرت البيانات أن 662 مبنى مدرسيا، أي ما يقارب 80% من إجمالي المدارس، تعرّضت لقصف مباشر، بينها 163 مدرسة وجامعة دُمّرت بالكامل.

وأدّت هذه الكارثة إلى حرمان نحو 785 ألف طالب وطالبة من حقهم في التعليم، في وقت ارتقى فيه قرابة 13 ألفا و500 طالب وطالبة شهداء، إضافة إلى 830 معلما و193 أكاديميا، في خسارة فادحة تهدّد النسيج المجتمعي، وتلقي بظلالها على مستقبل التعافي المعرفي والثقافي في غزة.


تعليم مقاوم
ورغم هذا الواقع، شهد قطاع غزة مبادرات متعدّدة لإنقاذ التعليم من الانهيار، كان أبرزها فصول الخيام والمدارس البديلة، التي سارع لإنشائها معلمون ومتطوعون ومؤسسات محلية بإمكانات بسيطة.

ورأى مدير مبادرة "مستمرون بالعلم والتعليم" لتعليم أطفال مراكز الإيواء، محمد الخضري، أن فلسفة التعليم في غزة تقوم على الصمود والهوية، ويُنظر اليها كفعل إنساني ومقاوم في مواجهة الحصار والحروب، ويهدف إلى بناء الإنسان الفلسطيني والحفاظ على الوعي الجمعي.

وقال للجزيرة نت "الانتقال من التعليم التقليدي إلى التدريس في الخيام في غزة ليس مجرد تغيير في المكان، بل هو انعكاس مباشر للظروف القاسية التي فرضتها الحروب وتدمير المدارس. هذا التحول يحمل أبعادا تربوية، واجتماعية، ونفسية عميقة".

وأكد أن المبادرات التعليمية في غزة وُلدت من رحم الأزمات، فواجهت تحديات كبيرة، لكن المجتمع التربوي استطاع أن يبتكر حلولا خلّاقة لضمان استمرار التعليم، كاستخدام الوسائل البسيطة والاعتماد على ألواح خشبية، ووسائل بديلة لتعويض نقص الأدوات.

وأسهمت هذه المبادرات في إعادة الأمل للطلبة، وتوفير بيئة نفسية أكثر استقرارا، إذ لم تقتصر على التعليم الأكاديمي، بل شملت أنشطة دعم نفسي وتفريغ انفعالي، ساعدت الأطفال على تجاوز آثار الصدمة، وشكّلت نموذجا للصمود المجتمعي في وجه الحرب.

وبشأن ذلك، أوضح المنسق التربوي في مؤسسة عبد المحسن القطان (جهة أهلية ثقافية وتربوية)، ممدوح أبو كميل، أن التعليم في غزة رغم ما يواجهه من تحديات وجودية غير مسبوقة بعد استهداف البنية التعليمية، فإن ذلك لم ينجح في كسر إرادة المعلمين والمبادرات التعليمية، التي واصلت تقديم نماذج ملهمة من الصمود.

وألمح إلى أن المؤسسة دعمت خلال العام الماضي 92 مبادرة تعليمية، وصلت إلى أكثر من 6 آلاف طالب وطالبة، وشارك أكثر من 130 معلما ومعلمة في برامج الإسناد والتطوير المهني، مجددا التزام المؤسسة في اليوم العالمي للتعليم بدعم التعليم والوقوف إلى جانب الطلبة والمعلمين في قطاع غزة.

المصدر: الجزيرة