شظية قرب الحبل الشوكي تهدد مستقبله .. محمود طافش يتمسك بحلم السمع

mainThumb
شظية قرب الحبل الشوكي تهدد مستقبله... محمود طافش يتمسك بحلم السمع

23-04-2026 11:44 AM

printIcon

أخبار اليوم - في زاويةٍ صغيرة من كشكٍ متواضع شرق بركة الشيخ رضوان، يجلس محمود طافش (27 عامًا) يراقب المارة بعينين أنهكتهما التجربة، لكنهما ما زالتا تحتفظان ببريق الحياة. يمد يده لمساعدة شقيقه الأصغر في ترتيب البضاعة، ويحاول أن يبدو كأي شاب يقضي نهاره في العمل، غير أن جسده، الذي يتحرك اليوم بحذر، يحمل في داخله شظية مستقرة قرب الحبل الشوكي، وذاكرة مثقلة بأشهر من العجز والخوف.

في نوفمبر، وخلال الشهر الثاني من الحرب، خرج محمود من منزله لشراء بعض احتياجات أسرته، لم يكن يحمل سوى همّ العودة سريعًا، لكن الطريق الذي يعرفه جيدًا تحوّل فجأة إلى ساحة خطر، حين سقطت قنبلة من طائرة إسرائيلية بالقرب منه.

تقول والدته لـ "فلسطين أون لاين"، بصوتٍ يرتجف كلما استعادت تلك اللحظة: "رجعوه إلنا كأنه شريطة... ما كان ظاهر عليه دم أو جرح كبير، لكن جسده كله كان مطفأ".

حمله أهله إلى المستشفى، وبين ازدحام الجرحى، أبلغهم الطبيب في البداية بعدم وجود إصابة واضحة، فعادوا به إلى المنزل على أمل أن يكون ما تعرض له مجرد صدمة عابرة.

لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة؛ فمنذ ذلك اليوم، تمدد محمود على سريره عاجزًا عن تحريك أطرافه أو حتى رأسه. كان يفتح عينيه بصعوبة، يتناول القليل من الطعام، ثم يغرق في صمت طويل يشبه الغياب.

وتشير والدته إلى أن هذه الحالة استمرت ما بين أربعة إلى خمسة أشهر، كانت خلالها تلازمه لحظة بلحظة، تراقب أنفاسه وتنتظر أي إشارة تحسن.

وتضيف: "كنت أدعو الله أن يحرك له إصبعًا واحدًا، فقط لأطمئن أنه ما زال معنا".

لاحقًا، زاره خاله، وهو ممرض، ولم يقتنع بأن حالته مجرد إنهاك، فبدأ بإعطائه محاليل طبية، ونظّف جسده من شظايا صغيرة كانت مغروسة في أماكن متفرقة. ومع الوقت، بدأ محمود يستعيد بعض الحركة، لكن يده اليسرى ورجله بقيتا دون تحسن يُذكر.

وأصرت العائلة على عرضه على طبيب مختص، وبعد إجراء صورة طبقية (CT)، ظهرت الحقيقة الصادمة: شظية مستقرة بين الفقرتين الأولى والثانية قرب الحبل الشوكي، مغروسة في العظم، في منطقة شديدة الحساسية.

تقول والدته: "لما عرفت مكان الشظية، حسّيت إنه نجا من باب ووقف على باب ثاني"، إذ لم ينصح الأطباء بإجراء عملية جراحية، لأن أي تدخل قد يؤدي إلى شلل كامل أو مضاعفات خطيرة.

كان القرار الأصعب هو ترك الشظية في مكانها، والتعامل مع آثارها يومًا بيوم.


خاض محمود رحلة علاج طبيعي استمرت أربعة أشهر دون نتائج ملموسة، فكان يعاني من خدر وتنميل وألم يشبه الصعق الكهربائي مع كل محاولة للمشي.

لاحقًا، توجّه إلى مستشفى حمد للأطراف الصناعية، حيث تلقى جلسات علاج طبيعي ووظيفي أكثر تخصصًا، وهناك بدأت تظهر بوادر تحسن تدريجي. استقامت رجله اليسرى، وتحسنت قدرته على الحركة حتى بلغت، وفق تقديرات عائلته، نحو 80%.

تقول والدته: "كل خطوة كان يمشيها، كنت أشعر أنها حياة جديدة".

ورغم هذا التحسن، لم تنتهِ معاناة محمود، فقد كان يعاني أصلًا من ضعف شديد في السمع، إلا أن الإصابة الأخيرة فاقمت حالته بعد استقرار شظية خلف أذنه، لتُصنّف حالته بأنها "شديدة جدًا".

وحصل على تحويلة طبية إلى الأردن لإجراء عملية زراعة قوقعة، لكن الوقت يشكل عامل ضغط حاسم، إذ يحذر الأطباء من أن تأخر العملية لأكثر من عامين قد يؤدي إلى فقدان السمع بشكل كامل.

يقول محمود، محاولًا التقاط الكلمات من حركة الشفاه أكثر من الأصوات: "شو ما بدكم بعمل... بس أصير أسمع زيكم".

لا يطلب محمود الكثير؛ فقط أن يسمع، وأن يعيش حياة طبيعية، وأن يستعيد ما سلبته الحرب منه مرتين: مرة بالإصابة، ومرة بتداعياتها.

اليوم، يجلس في الكشك إلى جانب شقيقه، يساعد في البيع، ويحاول استعادة إيقاع حياته. قد يراه المارة شابًا عاديًا، لكن من يعرف قصته، يدرك أنه يقف منتصرًا على شهور طويلة من العجز، وعلى شظية ما زالت مستقرة في جسده، وعلى خوفٍ لم يغادر قلب والدته حتى الآن.

فلسطين أون لاين