أخبار اليوم - راما منصور
في وقت أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، لم يعد تأثيرها يقتصر على متابعة الأخبار أو الترفيه، بل امتد ليصل إلى تفاصيل القرارات الشرائية للأفراد. وبينما يرى البعض أن المؤثرين باتوا يلعبون دوراً مهماً في تعريف المستهلكين بالمنتجات والخدمات الجديدة، يحذر آخرون من أن هذا التأثير تجاوز حدود الترويج ليصبح عاملاً رئيسياً في تشكيل رغبات الشراء، حتى في غياب الحاجة الفعلية للمنتج.
ويقول مواطنون إنهم أصبحوا يعتمدون بشكل متزايد على مراجعات المؤثرين قبل اتخاذ قرار الشراء، خاصة فيما يتعلق بالمنتجات التقنية ومستحضرات التجميل والمطاعم والأماكن السياحية، معتبرين أن تجربة شخص استخدم المنتج قد تكون أكثر إقناعاً من الإعلان التقليدي. ويرى هؤلاء أن المؤثرين يوفرون معلومات سريعة ومباشرة تساعد المستهلك على المقارنة بين الخيارات المتاحة وتجنب بعض المنتجات غير المناسبة.
في المقابل، يؤكد مواطنون آخرون أنهم وقعوا في أكثر من مرة تحت تأثير الحملات الترويجية التي يقدمها بعض المؤثرين، ليكتشفوا لاحقاً أن المنتج لا يطابق الصورة التي تم تسويقها عبر الإنترنت. ويشيرون إلى أن كثافة المحتوى الإعلاني على منصات التواصل جعلت التمييز بين الرأي الشخصي والإعلان المدفوع أكثر صعوبة، ما يدفع بعض المستهلكين إلى اتخاذ قرارات شرائية غير مدروسة.
ويرى مراقبون أن قوة التأثير التي يمتلكها المؤثرون لم تأتِ من فراغ، بل من قدرتهم على بناء علاقة يومية مع الجمهور تقوم على المتابعة المستمرة والشعور بالألفة والثقة. ويشيرون إلى أن كثيراً من المتابعين لا ينظرون إلى المؤثر باعتباره معلناً، بل شخصاً قريباً منهم يشاركهم تفاصيل حياته وتجربته الشخصية، وهو ما يمنح توصياته وزناً أكبر عند اتخاذ قرار الشراء.
ويعتبر مؤيدون لهذا الدور أن المؤثرين أصبحوا جزءاً من المنظومة التسويقية الحديثة، وأن الشركات تتجه إليهم لأنهم قادرون على الوصول إلى شرائح واسعة من الجمهور بطريقة أسرع وأكثر فاعلية من وسائل الإعلان التقليدية. كما يرون أن المستهلك يبقى صاحب القرار النهائي، وأن مسؤولية الشراء لا تقع على المؤثر وحده بل على وعي الفرد وقدرته على تقييم احتياجاته الفعلية.
في المقابل، يرى معارضون أن بعض المحتويات الترويجية تعتمد على إثارة الرغبة أكثر من تلبية الحاجة، من خلال إقناع المتابع بأن امتلاك منتج معين سيجعله أكثر تميزاً أو مواكبة للموضة أو أقرب إلى نمط الحياة الذي يعرضه المؤثر. ويعتقد هؤلاء أن هذا الأسلوب يسهم في زيادة الاستهلاك ويدفع بعض الأفراد إلى إنفاق أموالهم على منتجات لم يكونوا يفكرون في شرائها أساساً.
من جهتهم، يؤكد مختصون في التسويق الرقمي أن التأثير على القرارات الشرائية يعد أحد الأهداف الرئيسية للمحتوى التسويقي، لكن حجم هذا التأثير يختلف من شخص إلى آخر وفق عوامل متعددة، منها العمر والمستوى التعليمي والقدرة الشرائية وطبيعة المحتوى الذي يتابعه الفرد. ويشيرون إلى أن نجاح المؤثر في إقناع الجمهور لا يعتمد فقط على عدد المتابعين، بل على مستوى المصداقية والثقة التي بناها مع جمهوره على مدار الوقت.
ويضيف مختصون في الشأن الاجتماعي أن منصات التواصل خلقت بيئة جديدة للمقارنة بين الأفراد، حيث يتعرض المستخدم يومياً لعشرات المنتجات وأنماط الحياة المختلفة، ما قد يولد رغبات استهلاكية لم تكن موجودة سابقاً. ويرون أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود المؤثرين بحد ذاته، وإنما في قدرة المستهلك على الفصل بين ما يحتاجه فعلاً وما يتم الترويج له بشكل مكثف.
وبين من يرى في المؤثرين مصدراً مفيداً للمعلومات والتجارب، ومن يعتبرهم عاملاً رئيسياً في توجيه السلوك الاستهلاكي، يبقى الجدل قائماً حول حجم تأثيرهم الحقيقي على قرارات الشراء. ومع استمرار توسع التسويق الرقمي وتزايد حضور المؤثرين في الحياة اليومية، تبدو الحاجة إلى تعزيز الوعي الاستهلاكي أكثر أهمية من أي وقت مضى، لضمان أن تبقى القرارات الشرائية نابعة من الحاجة الفعلية لا من قوة التأثير وحدها.