أخبار اليوم - راشد النسور - لم تعد الأخبار المتعلقة بالجرائم الأسرية في الأردن تُقرأ كحوادث فردية معزولة كما كان الحال قبل سنوات، بل باتت تُطرح اليوم كظاهرة اجتماعية تتداخل فيها عوامل اقتصادية ونفسية وثقافية، وتفتح بابًا واسعًا للأسئلة حول طبيعة التحولات التي يعيشها المجتمع، وحدود الضغوط التي قد تدفع إلى العنف داخل الأسرة بدل أن تُعالج داخلها.
في السنوات الأخيرة، تشير قراءات لخبراء اجتماعيين وقانونيين إلى ارتفاع في وتيرة الجرائم التي تقع داخل الإطار العائلي أو بين أفراد الأسرة الواحدة، سواء كانت عنفًا جسديًا شديدًا أو حالات قتل أو اعتداءات مرتبطة بخلافات ممتدة. هذا الارتفاع لا يُفهم فقط من زاوية الأرقام، بل من خلال تغيّر البنية الاجتماعية نفسها: تسارع الحياة، الضغوط الاقتصادية، وتراجع مساحات الحوار داخل الأسرة.
مختصون في علم الاجتماع يربطون جزءًا مهمًا من هذه الظاهرة بتفاقم الضغوط المعيشية. ارتفاع تكاليف الحياة، البطالة أو عدم استقرار الدخل، وتزايد الالتزامات اليومية، كلها عوامل تُنتج توترًا مزمنًا داخل البيت الواحد. ومع غياب أدوات تفريغ هذا الضغط أو التعامل معه نفسيًا، يتحول الخلاف البسيط أحيانًا إلى سلوك عنيف غير محسوب.
في المقابل، يلفت مختصون في علم النفس إلى أن التغيرات في أنماط التنشئة الاجتماعية لعبت دورًا لا يمكن تجاهله. فضعف التواصل بين أفراد الأسرة، وتراجع الحوار المباشر لصالح العزلة أو الانشغال بالهواتف ووسائل التواصل، خلق فجوة عاطفية ومعرفية بين الأهل والأبناء. هذه الفجوة تجعل تراكم المشاعر السلبية أسرع، والانفجار أكثر احتمالًا عند أول صدام.
على الأرض، يروي مواطنون تجارب مختلفة تعكس هذا التحول. بعض العائلات تتحدث عن خلافات كانت تُحل سابقًا داخل البيت أو عبر تدخل الأقارب، لكنها اليوم تتحول بسرعة إلى قطيعة أو عنف أو حتى تدخل أمني. آخرون يشيرون إلى أن “حدة العصبية” أصبحت أعلى، وأن الصبر داخل العلاقات الأسرية بات أقل، خصوصًا في ظل الضغوط المالية وتغير نمط الحياة اليومي.
مصادر قانونية تشير بدورها إلى أن جزءًا من المشكلة مرتبط أيضًا بتغير طبيعة الإبلاغ والتوثيق، حيث أصبح الكشف عن الجرائم الأسرية أكثر وضوحًا من السابق، إما بسبب وعي أكبر بحقوق الأفراد أو بسبب تدخل الجهات المختصة بشكل أسرع. وهذا يعني أن جزءًا من الارتفاع قد يكون “مرئيًا” أكثر مما هو “جديد بالكامل”، لكنه في الوقت نفسه لا يلغي حقيقة وجود تصاعد في العنف داخل الأسرة.
كما يربط مختصون بين هذه الظاهرة وبين التحولات القيمية في المجتمع. فبينما ما زالت الأسرة في الأردن تُعتبر وحدة اجتماعية قوية ومتماسكة، إلا أن الضغوط الحديثة بدأت تؤثر على شكل هذه الوحدة. الانتقال من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية، وتراجع الدور التقليدي للوسيط العائلي في حل النزاعات، جعل بعض الخلافات أكثر حدة وأقل قابلية للاحتواء.
وفي ظل هذا المشهد، تتجه بعض الأصوات إلى التأكيد على ضرورة تعزيز برامج الدعم النفسي داخل المجتمع، وتوسيع دور الإرشاد الأسري، وإعادة بناء ثقافة الحوار داخل البيت. فالمشكلة، وفق هذا الطرح، ليست في الحوادث بحد ذاتها فقط، بل في البيئة التي تسمح بتراكمها حتى تصل إلى نقطة الانفجار.
بين الأرقام التي لا تعكس الصورة كاملة، والشهادات التي تكشف عمق التغيرات اليومية، تبدو الجرائم الأسرية اليوم مرآة لتحولات أوسع يعيشها المجتمع، حيث تتقاطع الضغوط الاقتصادية مع التغيرات الاجتماعية، في مشهد يزداد تعقيدًا مع الوقت دون حلول بسيطة أو مباشرة.