أخبار اليوم – تالا الفقيه
أكدت الباحثة في العلوم السياسية د. تمارا زريقات أن فهم التطورات الحالية بين الولايات المتحدة وإيران يبدأ من مذكرة إسلام آباد التي وُقعت في حزيران الماضي، والتي نصت على وقف مؤقت للعمليات العسكرية لمدة 60 يومًا، إلا أنها لم تعالج القضايا الجوهرية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، ومستوى تخصيب اليورانيوم، والعقوبات، وترتيبات الأمن الإقليمي، ما أبقى أسباب الصراع قائمة.
وقالت زريقات إن الهجمات التي استهدفت سفنًا أميركية في مضيق هرمز مطلع الشهر الحالي كشفت هشاشة التفاهمات السابقة، وأدت إلى عودة الحملة العسكرية الأميركية، موضحة أن واشنطن ركزت عملياتها على أهداف تقع في جنوب إيران، من بينها بندر عباس وجزيرة قشم، بهدف تعطيل منظومة الرصد والقيادة والسيطرة والقدرات البحرية الإيرانية، ومنع طهران من استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط على أمن الطاقة والتجارة الدولية.
وأوضحت أن الولايات المتحدة انتقلت من سياسة الردع إلى ما يعرف بالإكراه الاستراتيجي، من خلال استهداف حلقات سلسلة القرار العسكري الإيرانية، بما يحد من قدرة طهران على تنفيذ عمليات مستقبلية، دون التوسع في استهداف العمق الإيراني بصورة شاملة.
وأضافت أن إيران، في المقابل، تتبع ما وصفته باستراتيجية "التصعيد الأفقي"، عبر توسيع نطاق التوتر ليشمل ساحات ودولًا أخرى في المنطقة والممرات البحرية، بهدف منع حصر الحرب داخل أراضيها، وتوزيع كلفتها على القوات
الأميركية ودول الإقليم وأسواق النفط والتجارة العالمية، بما يخلق ضغوطًا سياسية تدفع
نحو استئناف المفاوضات.
وأشارت زريقات إلى أن محاولات اختراق المجال الجوي الأردني بالصواريخ أو الطائرات المسيرة تندرج ضمن هذا النهج، معتبرة أن إيران تسعى إلى توسيع مسرح الضغط الاستراتيجي، في حين أن الأردن يمثل، وفق توصيفها، دولة تتمتع بمؤسسات سياسية وأمنية متماسكة وترفض تحويل أراضيها إلى ساحة نفوذ أو منصة للميليشيات العابرة للحدود.
وأكدت أن الأردن يواصل ترسيخ نموذج الدولة المستقرة والقادرة على حماية سيادتها وأمنها، مستندًا إلى مؤسسات راسخة وقوات مسلحة وأجهزة أمنية محترفة، إلى جانب ارتفاع مستوى الوعي الوطني لدى المواطنين، وهو ما يعزز مناعة الدولة في مواجهة محاولات التضليل والاستهداف.
ولفتت إلى أن نمط الضربات المتبادلة بين واشنطن وطهران بات أقرب إلى ما يعرف في الأدبيات السياسية بـ"التصعيد الحلزوني"، حيث يقابل كل
تصعيد برد أكبر من الطرف الآخر، مع استمرار كل طرف في وصف تحركاته بأنها دفاعية، ما يرفع مستوى المخاطر مع كل جولة جديدة.
وأوضحت أن
المواجهة لا تزال حتى الآن ضمن إطار الحرب المحدودة، إذ تركز الولايات المتحدة على أهداف عسكرية محددة دون اللجوء إلى تدخل بري، بينما لم تستخدم إيران كامل قدراتها، إلا أن احتمالية انتقال الاستهداف إلى البنية التحتية، بما يشمل محطات الكهرباء والمياه والجسور، قد يجعل العودة إلى التهدئة أكثر صعوبة بسبب انعكاس ذلك على الحياة اليومية للسكان.
وختمت زريقات بالإشارة إلى ثلاثة سيناريوهات رئيسية للأزمة، يتمثل الأول في استمرار
تصعيد عسكري
مضبوط مع إبقاء باب الوساطات مفتوحًا، والثاني في اتساع رقعة
المواجهة نتيجة خطأ في الحسابات أو استهداف منشآت حساسة، أما الثالث فيتمثل بالتوصل إلى صفقة تفرضها كلفة استمرار الحرب على الطرفين، مرجحة أن يكون السيناريو الأقرب هو مزيج من التصعيد المحدود الذي يقود في النهاية إلى
هدنة مؤقتة ومسار تفاوضي جديد.