التعديل الوزاري أم تعديل النهج؟ .. الأردن بحاجة إلى تغيير السياسات قبل تغيير الأشخاص

mainThumb
التعديل الوزاري أم تعديل النهج؟.. الأردن بحاجة إلى تغيير السياسات قبل تغيير الأشخاص

08-08-2026 03:14 PM

printIcon

أخبار اليوم - تالا الفقيه - قال نائب رئيس هيئة مستثمري المناطق الحرة عامر الجيوسي إن الأردن اليوم بحاجة إلى مراجعة حقيقية وعميقة للنهج والسياسات الاقتصادية، أكثر من حاجته إلى مجرد تعديل وزاري وتغيير أسماء الأشخاص، مؤكداً أن تغيير الوزراء لن يقود بالضرورة إلى تغيير النتائج ما دامت السياسات والمنهجيات والأدوات الاقتصادية التي تحكم العمل الحكومي هي ذاتها.

وأضاف الجيوسي أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ما الفائدة من تغيير الوزراء إذا كانوا سيأتون للعمل ضمن السياسات والمنهجيات نفسها التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه من تخبط وتراجع في الأداء، وارتفاع في المديونية، وضغوط متزايدة على المالية العامة، وتراجع في القدرة على خلق فرص العمل، وتردٍ في مستوى الخدمات العامة؟

وأشار إلى أن القضية ليست مرتبطة بالأشخاص، ولا تنتقص من كفاءة الوزراء أو جهودهم في أداء واجباتهم، وإنما ترتبط بجوهر المنظومة الاقتصادية وطريقة صياغة السياسات والأهداف والمنهجيات التي يتم من خلالها التعامل مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية، مؤكداً أن تغيير الأشخاص مع بقاء الأسس والمكونات التي تُبنى عليها السياسات الاقتصادية كما هي، لن يؤدي إلى نتائج مختلفة.

وأكد الجيوسي أن الأردن بحاجة إلى العودة إلى أصل المشكلة الاقتصادية بدلاً من الاكتفاء بمعالجة نتائجها، مشيراً إلى أن ضعف الإنتاج يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني، باعتبار أن الإنتاج هو عصب الاقتصاد والأساس الذي يُبنى عليه الناتج المحلي الإجمالي والنمو وفرص العمل والإيرادات العامة.

وقال إن إيجاد حلول حقيقية لنمو الإنتاج وتنميته من شأنه أن ينعكس على مجمل المؤشرات الاقتصادية، من خلال خلق فرص عمل جديدة، وزيادة النشاط الاقتصادي، ورفد الخزينة بإيرادات إضافية، وتحسين قدرة الدولة على خفض نسبة الدين العام وخدمة الدين، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على الدخول في مسار تصحيحي أكثر استدامة.

وشدد على أن الأردن لا يحتاج فقط إلى إدارة أزماته، وإنما إلى تغيير الطريقة التي يُنتج بها الاقتصاد الثروة وفرص العمل، وإلى وضع الإنتاجية والإنتاج الوطني والاستثمار والتصنيع والتصدير في صلب السياسة الاقتصادية، بدلاً من الاستمرار في التعامل مع الأزمات من خلال حلول قصيرة الأجل لا تعالج جذور الاختلالات.

وتساءل الجيوسي: لماذا لا تكون القطاعات الإنتاجية والاستثمارية أولوية حقيقية في السياسة الاقتصادية؟ ولماذا لا تتم إعادة النظر بشكل جدي في البيئة التي يعمل ضمنها القطاع الخاص والمستثمرون؟ ولماذا لا يتم الانتقال من النظر إلى القطاع الخاص باعتباره مصدراً للإيرادات والرسوم والضرائب إلى اعتباره شريكاً أساسياً في تحقيق النمو وخلق فرص العمل؟

وأضاف أن المشكلة الاقتصادية لا تنفصل عن تحديات أخرى تتعلق بالفساد والحوكمة ومصالح المستفيدين من استمرار بعض الاختلالات، إلى جانب ما وصفه بتغول رؤوس الأموال الكبيرة على صناعة القرار الاقتصادي، مؤكداً أن القرار الاقتصادي الوطني يجب أن ينطلق من المصلحة العامة وأن يخضع لقواعد واضحة من الشفافية والمساءلة، بعيداً عن تأثير المصالح الضيقة.

وأشار الجيوسي إلى أن من الضروري كذلك مراجعة دور الحكومات المتعاقبة في رسم السياسات الاقتصادية، متسائلاً عما إذا كانت المشكلة فعلاً في الوزراء والأشخاص، أم في غياب رؤية اقتصادية طويلة الأمد ومستقرة لا تتغير بتغير الحكومات والوزراء.

وقال: "لقد أصبحنا بحاجة إلى الانتقال من سؤال: من هو الوزير؟ إلى السؤال الأهم: ما هي السياسة التي سيطبقها الوزير؟ ومن سؤال: من سيأتي إلى الحكومة؟ إلى سؤال: ماذا ستفعل الحكومة بشكل مختلف هذه المرة؟".

وأوضح أن استمرار استخدام الأدوات والسياسات والمنهجيات ذاتها سيؤدي في النهاية إلى النتائج ذاتها، مهما تغيرت الأسماء، لأن المشكلة لا تكمن في الوجوه بقدر ما تكمن في النهج الذي يحكم عملية صنع القرار الاقتصادي.

وأكد الجيوسي أنه ليس متشائماً تجاه مستقبل الأردن، مشيراً إلى أن المملكة تمتلك كفاءات وطاقات بشرية واستثمارية وقطاعات اقتصادية قادرة على النمو، إلا أن الاستفادة من هذه الإمكانات تتطلب بيئة اقتصادية مختلفة وسياسات أكثر جرأة ووضوحاً واستقراراً.

وحذر من أن استمرار التحديات الأصلية دون حلول جذرية، وعدم وجود رغبة حقيقية في التغيير على أعلى المستويات الاقتصادية والسياسية، أو عدم القدرة على إحداث هذا التغيير، سيبقي الاقتصاد الوطني تحت ضغط متزايد، وقد يقود إلى مزيد من التهالك الاقتصادي والاجتماعي، ويؤثر بشكل مباشر على مستقبل الأردن.

وشدد على أن الأردن لا يملك ترف تأجيل معالجة جذور مشكلاته الاقتصادية، لأن كلفة الإصلاح ترتفع كلما تأخر، فيما تضيق مساحة الحركة أمام صانع القرار مع استمرار ارتفاع أعباء الدين وتراجع قدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل منتجة ومستدامة.

وختم الجيوسي بالقول إن "الأردن لا يحتاج إلى تغيير الوجوه بقدر ما يحتاج إلى تغيير النهج، فالتغيير الحقيقي لا يبدأ من الكرسي الوزاري، وإنما من تغيير السياسات والقواعد والحوافز والمنهجيات التي تحكم الاقتصاد الوطني"، مؤكداً أن أي تعديل وزاري لن يحقق الغاية المرجوة منه إذا لم يترافق مع مراجعة حقيقية وجريئة للسياسات الاقتصادية التي أثبتت السنوات الماضية حاجتها إلى التغيير.