أخبار اليوم – تالا الفقيه
يمر الصيف سريعًا، لكن فواتيره لا تمر بالسرعة ذاتها. أعراس تتوالى، ونتائج مدارس وجامعات، وحفلات تخرج ونجاح، وأصوات موسيقى تمتد حتى ساعات متأخرة، وصواوين وقاعات ومطربون وكنافة وضيافة وتصوير وإضاءة، وفي الجهة الأخرى حديث يومي لا ينقطع عن الغلاء والرواتب والبطالة والأقساط وصعوبة تدبير متطلبات الحياة.
المشهد يستحق النقاش، لأن القضية تجاوزت فرحة عائلة بابنها أو ابنتها، وأصبحت عند شريحة من المجتمع نمطًا من الإنفاق يصعب فهمه في ظل الظروف الاقتصادية التي نتحدث عنها كل يوم.
في الأعراس تحديدًا، لم تعد المسألة مرتبطة بإقامة حفل يجمع الأهل والأصدقاء. هناك قائمة طويلة تسبق المناسبة: قاعة أو صيوان، وإضاءة، وصوتيات، ومطرب، وفرق للدبكة، وتصوير، وزينة، وكنافة ومشروبات، وقد يضاف إليها العشاء. وقبل ذلك هناك الصالونات والملابس والتجهيزات والتفاصيل التي تتكاثر كلما اقترب موعد الفرح.
وبحسبة متداولة بين أصحاب المناسبات، قد تصل كلفة بعض هذه المتطلبات وحدها إلى نحو ستة آلاف دينار دون عشاء، ومع الصالة والصالونات والتجهيزات الأخرى يصبح الحديث عن عشرة آلاف دينار أمرًا ممكنًا، وربما تتجاوز الكلفة ذلك بكثير وفق طبيعة المناسبة وقدرة أصحابها والمشكلة أن دائرة الإنفاق لم تتوقف عند الزواج.
حفلات النجاح والتخرج أصبحت قصة أخرى. تبدأ أحيانًا من الحضانة ورياض الأطفال، ثم النجاح المدرسي والثانوية العامة والجامعة، وبعدها الماجستير والدكتوراه. وفي كل مرحلة يمكن أن نجد احتفالًا كامل الأركان، حتى باتت بعض الأسر تدفع في الاحتفال بالنجاح مبلغًا كان قبل سنوات يكفي لتغطية جزء معتبر من تكاليف الدراسة نفسها.
ثم ظهرت مناسبات جديدة أو توسعت بصورة لافتة؛ حفلات الحناء، وتحديد جنس المولود، والطهور، وأحيانًا مناسبات شخصية أخرى أصبح لها ديكور وتصوير وضيافة ودعوات وبرامج خاصة.
لا مشكلة في أن يفرح الناس. الأردنيون مجتمع اجتماعي بطبيعته، والمشاركة في الفرح جزء أصيل من علاقتهم ببعضهم، لكن السؤال يبدأ عندما تتحول الفرحة إلى التزام مالي، ويتحول الاحتفال إلى منافسة صامتة بين العائلات.
مختصون اجتماعيون يرون أن المقارنة الاجتماعية تلعب دورًا أساسيًا في تضخم الإنفاق على المناسبات؛ فالأسرة لا تحدد دائمًا شكل احتفالها وفق دخلها، وإنما وفق ما شاهدته في مناسبة قريبة أو صديق أو جار. وهنا تبدأ دائرة يصعب الخروج منها: فلان فعل كذا، ولذلك علينا أن نفعل مثله أو أكثر.
وهذا الضغط لا يصيب المقتدر وحده. الخطورة الحقيقية عندما تنتقل معايير إنفاق الأسر الميسورة إلى أسر متوسطة أو محدودة الدخل، فتدخل الأخيرة في سباق لا تملك إمكاناته، لكنها تخشى كلام الناس أو أن تبدو مناسبتها أقل من غيرها.
ومن زاوية اقتصادية، يرى مختصون أن المشكلة ليست في إنفاق المال بحد ذاته، فالاستهلاك يحرك قطاعات اقتصادية ويوفر أعمالًا لأصحاب القاعات والمطاعم والمصورين والفنانين وغيرهم، وإنما في مصدر هذا المال وحجم الإنفاق مقارنة بدخل الأسرة. فالإنفاق من فائض مالي يختلف تمامًا عن تمويل ليلة واحدة من قرض أو دين سيجري سداده على مدى أشهر وربما سنوات.
وهنا يمكن تفكيك المشكلة بصورة أبسط: كم أسرة تنفق لأنها قادرة فعلًا، وكم أسرة تنفق لأنها تشعر بأنها مضطرة اجتماعيًا؟
هذا السؤال يقود مباشرة إلى الشباب المقبلين على الزواج. فإذا كانت الأسرة ستضع عشرة آلاف دينار في احتفال يستمر ساعات، أليس من المفيد التفكير في جزء من هذا المبلغ كبداية لحياة الزوجين؟
بعشرة آلاف دينار يمكن المساهمة في مشروع صغير، محل دواجن أو بيض أو أحذية أو ورشة أو معدات لمهنة أو رأس مال لتجارة بسيطة. وقد لا يكون المبلغ كافيًا لبناء مستقبل كامل، لكنه بالتأكيد أكثر قدرة على مساعدة شابين في بداية حياتهما من إنفاقه كله في ليلة واحدة.
الأمر نفسه ينطبق على حفلات التخرج. فالطالب الذي أنهى دراسته ويستعد لدخول سوق عمل صعب يحتاج إلى ما يساعده على بدء حياته المهنية. جزء من الأموال التي تنفق على مظاهر الاحتفال يمكن أن يشتري له جهازًا يحتاجه في عمله، أو يمول دورة مهنية، أو يساعده في مشروع، أو يبقى في حسابه حتى يجد فرصة عمل.
وهناك جانب آخر لا يمكن تجاهله، وهو أن وسائل التواصل الاجتماعي رفعت سقف المقارنة. المناسبة لم تعد للحاضرين فقط، وإنما أصبحت مادة مصورة يشاهدها المئات والآلاف. لذلك ازداد الاهتمام بالشكل والتفاصيل والصورة والإضاءة والديكور، وأصبح السؤال عند البعض كيف ستظهر المناسبة أمام الآخرين، وليس فقط كيف سنفرح بها.
وسط ذلك كله، تبدو المفارقة واضحة: المجتمع نفسه الذي يتحدث عن ارتفاع الأسعار، وصعوبة الزواج، وبطالة الشباب، وضعف الرواتب، يجد في داخله من ينفق آلاف الدنانير على مناسبة واحدة، ومن يستدين أحيانًا حتى يحافظ على صورة اجتماعية لا تستمر أكثر من ساعات.
وهذا لا يعني أن كل الأردنيين يفعلون ذلك، ولا أن كل عرس أو حفل تخرج يدخل في باب الإسراف، فهناك آلاف الأسر التي تحتفل ضمن إمكاناتها وتعرف أين تتوقف. الحديث هنا عن ظاهرة تتسع، وعن سقف اجتماعي للإنفاق يرتفع عامًا بعد عام ويجر خلفه من يستطيع ومن لا يستطيع.
ربما نحتاج إلى إعادة النظر في معنى المناسبة نفسها. الفرح لا يصبح أكبر لأن مكبرات الصوت أكبر، والنجاح لا تزداد قيمته بعدد الصواوين، والزواج لا يكون أكثر استقرارًا لأن ليلته الأولى كلفت آلاف الدنانير.
وفي النهاية، لا يحتاج الأمر إلى قرارات أو تعليمات، وإنما إلى شجاعة اجتماعية بسيطة؛ أن تقيم الأسرة مناسبتها وفق قدرتها، لا وفق قدرة الآخرين.
لأن السؤال بعد انتهاء الموسيقى وإطفاء الإضاءة وجمع الكراسي سيبقى حاضرًا: كم دفعنا لنفرح ساعات، وكم كان يمكن أن نصنع بهذا المال لأبنائنا سنوات أفضل؟