دين حكومي يتراكم وإصلاحات تتأخر .. هل يواجه الضمان استحقاقاً مالياً صعباً؟

mainThumb
دين حكومي يتراكم وإصلاحات تتأخر.. هل يواجه الضمان استحقاقاً مالياً صعباً؟

22-08-2026 03:16 PM

printIcon

أخبار اليوم - تالا الفقيه - يتصاعد الجدل حول المسار المالي لمؤسسة الضمان الاجتماعي في ظل استمرار اعتماد الحكومة على أموال المؤسسة، وتراكم المديونية المستحقة عليها، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار النهج الحالي إلى زيادة الضغوط على منظومة الضمان، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع جدولة الديون واستمرار الاقتراض من أموال المشتركين والاستثمار في أدوات طويلة الأجل بعوائد لا تحقق، وفق منتقدين، العائد المطلوب.

وتكتسب القضية حساسية خاصة كون أموال الضمان ليست أموالاً حكومية بالمعنى التقليدي، وإنما تمثل اشتراكات وحقوقاً مالية لملايين المشتركين والمتقاعدين، الأمر الذي يجعل إدارة هذه الأموال ومدى قدرتها على تحقيق عوائد مستدامة قضية تتجاوز الحسابات المالية اليومية إلى صميم مستقبل الحماية الاجتماعية في المملكة.

وتتمثل إحدى أبرز نقاط القلق في استمرار ارتفاع الدين الحكومي للمؤسسة، إذ إن إعادة جدولة المديونية لا تعني بالضرورة تراجع أصل الدين، وإنما قد تعني تمديد فترة استرداده، ما يبقي الأموال مرتبطة بالتزامات حكومية لفترات طويلة ويحد من قدرة المؤسسة على إعادة توظيفها في فرص استثمارية أخرى، بحسب منتقدي هذا النهج.

وتزداد المخاوف عندما يقترن ذلك باستمرار الاقتراض من أموال الضمان، في وقت يفترض فيه أن تكون المؤسسة حريصة على تنويع استثماراتها وتحقيق أفضل عائد ممكن ضمن مستويات مخاطرة محسوبة، بما يضمن نمو موجوداتها وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها المستقبلية.

وتشير المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي في تصريحاتها الرسمية إلى أن استدامتها المالية تعتمد على الدراسات الاكتوارية والعوائد الاستثمارية، مؤكدة في وقت سابق أن لديها مصادر دخل متعددة وأن موجوداتها تشكل قاعدة مالية تدعم مركزها المالي. كما تؤكد المؤسسة أن الإصلاحات التشريعية والدراسات الاكتوارية تُستخدم لتحديد أي تعديلات ضرورية للحفاظ على الديمومة المالية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بحجم موجودات الضمان، وإنما بطبيعة هذه الموجودات، ومدى قدرتها على تحقيق عوائد حقيقية ومستدامة، خصوصاً أن ارتفاع حجم الأموال لا يعني بالضرورة ارتفاع قدرتها الشرائية أو كفاءتها الاستثمارية إذا كانت العوائد أقل من معدلات التضخم أو أقل من العائد الذي يمكن تحقيقه عبر بدائل استثمارية مناسبة.

كما يثير استمرار توجيه جزء من أموال المؤسسة نحو استثمارات طويلة الأجل تساؤلات حول التوازن بين الأمان والسيولة والعائد، وهي معادلة يفترض أن تكون حاضرة بقوة في إدارة أموال صندوق اجتماعي يعتمد عليه المواطن منذ سنوات عمله وحتى تقاعده.

ويرى منتقدون أن تعديل قانون الضمان، مهما بلغت أهميته، لن يكون كافياً وحده إذا استمر الخلل في مصادر التمويل أو بقيت الحكومة تعتمد بصورة متزايدة على أموال المؤسسة لتمويل احتياجاتها. فالإصلاح الحقيقي، وفق هذا الطرح، لا ينبغي أن يقتصر على رفع سن التقاعد أو تعديل الاشتراكات والمنافع، وإنما يجب أن يشمل أيضاً علاقة الدولة بأموال الضمان وآلية استرداد الدين وكفاءة إدارة الاستثمارات.

وفي المقابل، فإن الحديث عن احتمال إفلاس الضمان باعتباره نتيجة حتمية للمسار الحالي يحتاج إلى سند اكتواري ومالي واضح، ولا يمكن حسمه بمجرد ارتفاع الدين أو انخفاض بعض المؤشرات في فترة زمنية محددة. فالمؤسسة نفسها تؤكد أن تقييم قدرتها على الاستمرار يتم من خلال الدراسات الاكتوارية الدورية، وأنها تعمل على اتخاذ الإصلاحات اللازمة بناءً على نتائج تلك الدراسات.

غير أن استمرار المديونية الحكومية يضع صانع القرار أمام اختبار حقيقي: كيف يمكن حماية أموال المشتركين من أن تتحول إلى مصدر تمويل دائم للحكومة، وفي الوقت نفسه ضمان قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها تجاه المؤسسة؟ فكلما طال أمد الدين، أصبحت الحاجة أكبر إلى جدول زمني واضح للسداد، وآليات تضمن عدم تحول الجدولة إلى وسيلة لتأجيل المشكلة من عام إلى آخر.

وتبرز هنا أهمية الشفافية في الإعلان بصورة دورية عن حجم الدين الحكومي للضمان، وكلفة خدمته، ومواعيد استحقاقاته، والعوائد التي تحققها مختلف المحافظ الاستثمارية، ونسبة الأموال المستثمرة في الأدوات طويلة الأجل، إضافة إلى مقارنة العوائد المحققة بالعوائد المستهدفة ومعدلات التضخم.

فالضمان الاجتماعي ليس مؤسسة مالية عادية يمكن تقييم أدائها من خلال أرباح سنة واحدة، وإنما منظومة حماية اجتماعية تمتد التزاماتها لعقود، وأي قرار مالي يُتخذ اليوم قد تظهر كلفته أو منافعه بعد سنوات طويلة. ولهذا فإن الحفاظ على ديمومة المؤسسة يتطلب النظر إلى الصورة كاملة، من نمو أعداد المتقاعدين والمشتركين إلى قيمة الاشتراكات والمنافع، ومن حجم الدين الحكومي إلى كفاءة الاستثمار والعائد الحقيقي على الأموال.

وبين تأكيد المؤسسة على متانة مركزها المالي وحرصها على الديمومة، وبين المخاوف المتصاعدة من استمرار الاقتراض الحكومي وجدولة الدين والاستثمارات طويلة الأجل، يبقى السؤال الأهم مطروحاً: هل يجري علاج جذور التحديات المالية للضمان، أم أن الإصلاحات الحالية تؤجل استحقاقات أكبر إلى المستقبل؟

وفي النهاية، فإن أموال الضمان تمثل حقوقاً متراكمة لأجيال من العاملين، وأي نقاش حول مستقبل المؤسسة يجب أن ينطلق من قاعدة أساسية مفادها أن حماية هذه الأموال وتعظيم عوائدها وضمان استردادها في مواعيد واضحة ليست قضية مالية فحسب، بل قضية ثقة وأمان اجتماعي ومستقبل تقاعدي لملايين الأردنيين.