اخبار اليوم - ساره الرفاعي
لم تعد الهوية الشخصية محصورة ببطاقة يحملها المواطن في محفظته، فالأردن يتجه إلى مرحلة جديدة تصبح فيها الهوية الرقمية وسيلة رسمية للتعريف بالمواطن وإنجاز معاملاته، بعد إقرار مشروع تعديل قانون الأحوال المدنية الذي يمنح الهوية الرقمية حجية قانونية إلى جانب البطاقة الشخصية التقليدية.
وبالنسبة للمواطن، فإن السؤال الأهم ليس فقط ما هي الهوية الرقمية، وإنما ماذا ستغيّر فعليًا في حياته اليومية؟
ببساطة، الهوية الرقمية الموجودة عبر تطبيق "سند" يفترض أن تمنح المواطن وسيلة إلكترونية موثوقة لإثبات هويته عند الوصول إلى الخدمات والمعاملات الرقمية، بما يقلل الحاجة إلى إبراز الوثائق الورقية أو مراجعة الجهات بشكل شخصي في الحالات التي أصبحت متاحة إلكترونيًا.
والتحول هنا لا يتعلق بالهوية وحدها، فالحكومة تتجه إلى توسيع التكامل بين الجهات الحكومية والخدمات الرقمية، بما يعني أن المواطن يمكنه إنجاز عدد أكبر من معاملاته من الهاتف بدلًا من التنقل بين المؤسسات وانتظار الدور.
وتطبيق "سند" يتيح حاليًا الوصول إلى أكثر من 550 خدمة من أكثر من 50 جهة حكومية وقطاع خاص، تشمل خدمات مثل إصدار وتجديد جواز السفر، التأمين الصحي، شهادة حسن السيرة والسلوك، الاطلاع على بعض السجلات والمستندات، دفع الفواتير وتسوية المخالفات المرورية.
واللافت أن استخدام الهوية الرقمية لم يعد محصورًا بالخدمات الحكومية، إذ أعلن البنك المركزي اعتماد الهوية الرقمية عبر "سند" في جميع البنوك العاملة في المملكة كوسيلة رسمية للتحقق من هوية العملاء، وبديلاً مكافئًا للهوية الشخصية التقليدية عند تنفيذ المعاملات والخدمات المصرفية.
وهذا يعني أن المواطن قد يجد نفسه أمام معاملات يمكن إتمامها مستقبلًا دون إخراج البطاقة الشخصية أو مراجعة الفرع أو المؤسسة، طالما أن الخدمة متاحة رقميًا والجهة تعتمد الهوية الرقمية.
لكن هناك سؤال آخر يهم المواطن بشكل مباشر: ماذا عن بياناته الشخصية؟
الهوية الرقمية ترتبط بمعلومات شخصية حساسة، ولذلك فإن نجاح التجربة لا يعتمد فقط على سهولة استخدامها، بل أيضًا على حماية البيانات ومنع إساءة استخدامها. الحكومة تؤكد أن التحول الرقمي يستهدف تقديم خدمات آمنة وموثوقة، وأن الهوية الرقمية ستُستخدم ضمن منظومة تهدف إلى حماية البيانات الشخصية وسلامتها وسريتها.
أما التطور الآخر الذي قد يلمسه المواطن فهو صندوق البريد الرقمي.
وبحسب مشروع تعديل قانون الأحوال المدنية، سيتم إنشاء صندوق بريد رقمي مجاني عبر تطبيق "سند" للمواطن والمنشأة والمقيم، بهدف استقبال الإشعارات والمراسلات والطرود المتعلقة بالتجارة الإلكترونية وغيرها، على أن يرتبط عنوان البريد الرقمي بموقع المنزل أو المنشأة.
بمعنى أبسط، نحن أمام محاولة لإنشاء عنوان رقمي رسمي للمواطن يمكن أن يصبح جزءًا من طريقة وصول الإشعارات والمراسلات والخدمات إليه، بدل الاعتماد الكامل على الوسائل الورقية أو العناوين التقليدية.
والتحول بدأ فعليًا بالاتساع؛ إذ أعلنت وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة مؤخرًا أن عدد المواطنين الذين فعّلوا الهوية الرقمية عبر "سند" تجاوز 2.6 مليون، بينهم أكثر من 600 ألف مستخدم جديد منذ بداية عام 2026.
لكن نجاح الهوية الرقمية في النهاية لن يقاس بعدد من فعّلوا التطبيق فقط، وإنما بمدى قدرة المواطن على إنجاز معاملته فعلًا من هاتفه، دون أن يُطلب منه بعد ذلك طباعة الأوراق والعودة إلى المؤسسة لإنهاء الخطوة الأخيرة.
وهنا تكمن أهمية المرحلة المقبلة: هل ستنجح الهوية الرقمية في اختصار الوقت والمراجعات فعلًا، أم ستبقى بعض المعاملات مرتبطة بالإجراءات الورقية والحضور الشخصي؟
المواطن لا يبحث فقط عن تطبيق جديد، بل يريد خدمة أسرع، معاملة أبسط، ووضوحًا أكبر حول أين يستطيع استخدام هويته الرقمية وما الذي أصبح ممكنًا إنجازه من الهاتف.
ومع توسع الخدمات الرقمية واعتماد الهوية الرقمية رسميًا، يبدو أن العلاقة بين المواطن والمؤسسات تتجه تدريجيًا من "راجع المؤسسة" إلى "أنجز معاملتك من مكانك".