مخرجات الجامعات الأردنية ومعيار الكفاءة في سوق العمل نحو تصنيف وطني جديد للتعليم العالي

mainThumb
مخرجات الجامعات الأردنية ومعيار الكفاءة في سوق العمل نحو تصنيف وطني جديد للتعليم العالي

09-10-2026 01:44 PM

printIcon


أخبار اليوم - سهم محمد العبادي - لم تعد الشهادة الجامعية وحدها كافية لتحديد فرص الخريجين في سوق العمل، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد، والتطور التكنولوجي، والتغير المستمر في متطلبات الوظائف والمهن. فقد أصبح مستوى المعرفة والمهارات والكفاءة المهنية والقدرة على التطبيق العملي من المؤشرات الأساسية التي تحدد القيمة الفعلية للتعليم الجامعي، ومدى نجاح المؤسسات الأكاديمية في إعداد خريجين قادرين على المنافسة محلياً وإقليمياً ودولياً.

وفي الأردن، حيث تتوسع مخرجات الجامعات الرسمية والخاصة سنوياً بمختلف التخصصات الأكاديمية والمهنية، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في المعايير التي يجري من خلالها تقييم جودة التعليم العالي، والانتقال نحو قياس النتائج الفعلية للعملية التعليمية، وفي مقدمتها كفاءة الخريجين وقدرتهم على اجتياز اختبارات التوظيف والاندماج في بيئات العمل وتحقيق التقدم المهني.

لقد ارتبط التوظيف في مراحل سابقة بحيازة المؤهل الجامعي باعتباره أحد الشروط الرئيسية للالتحاق بالوظيفة، وكانت الشهادة تمثل في كثير من الحالات دليلاً كافياً على التأهيل الأكاديمي. أما اليوم، ومع اتساع قاعدة الخريجين واشتداد المنافسة على فرص العمل، فقد أصبحت المؤسسات أكثر اهتماماً بما يمتلكه المتقدم من معرفة حقيقية ومهارات تطبيقية وقدرات شخصية ومهنية تتناسب مع طبيعة الوظيفة.

وتتجلى هذه التحولات في قطاعات متعددة، من بينها القطاع المصرفي والمالي، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والهندسة، والصناعات الدوائية، والخدمات الطبية والصحية، والتعليم، والتأمين، والاستشارات، والصناعة، والطاقة، والخدمات اللوجستية، والشركات الكبرى التي تعتمد أنظمة متقدمة لاختيار موظفيها.

ففي هذه القطاعات، يخضع المتقدمون إلى اختبارات تخصصية ومقابلات فنية وتقييمات للمهارات والقدرات، وقد تشمل اختبارات اللغة والتفكير التحليلي وحل المشكلات والتواصل والعمل الجماعي واستخدام التكنولوجيا. ومن خلال هذه الإجراءات تستطيع المؤسسات التمييز بين امتلاك المؤهل الأكاديمي وامتلاك الكفاءة اللازمة لممارسة العمل.

وهنا تظهر إحدى أهم القضايا التي تواجه التعليم الجامعي، وهي الفجوة المحتملة بين الحصول على الشهادة واكتساب المعرفة. فقد يحمل خريجان المؤهل نفسه وفي التخصص ذاته، لكن مستوى أدائهما في الاختبارات والمقابلات المهنية قد يختلف بصورة جوهرية، تبعاً لجودة التعليم الذي تلقياه، وطبيعة التدريب العملي، ومدى تمكنهما من المهارات التي يفترض أن يوفرها البرنامج الأكاديمي.

وعندما يعجز خريج عن الإجابة عن أسئلة أساسية تتصل بتخصصه، أو يفشل في تطبيق المعارف التي درسها على حالات عملية، فإن ذلك يستدعي فحصاً أعمق لجودة البرنامج التعليمي، وأساليب التدريس والتقييم، ومستوى التدريب والتأهيل الذي حصل عليه خلال سنوات الدراسة. كما يتطلب التمييز بين جوانب القصور المرتبطة بالتعليم الجامعي والعوامل الفردية والظروف التي تؤثر في أداء المتقدمين.

ومن هذا المنطلق، تكتسب جودة المخرجات الجامعية أهمية استراتيجية باعتبارها أحد المؤشرات المباشرة على فاعلية المؤسسات التعليمية، ومدى قدرتها على تحويل المعرفة الأكاديمية إلى كفاءات بشرية منتجة.

وتبرز في هذا السياق أهمية النماذج الجامعية التي تتعامل مع إعداد الطالب باعتباره عملية متكاملة تبدأ منذ التحاقه بالجامعة وتستمر حتى تخرجه، من خلال الجمع بين المناهج الأكاديمية والتدريب التطبيقي، وبرامج التأهيل المهني، وتنمية المهارات اللغوية والرقمية، والتفكير النقدي، والبحث العلمي، وريادة الأعمال، والتواصل مع مؤسسات سوق العمل.

وتتطلب هذه المنظومة استثمارات مالية وبشرية وتنظيمية كبيرة، تشمل تطوير المختبرات والمرافق التعليمية، واستقطاب الكفاءات الأكاديمية، وتوفير التدريب الميداني، وبناء شراكات فاعلة مع القطاعات الاقتصادية، وتحديث البرامج بصورة مستمرة وفق التحولات العلمية والمهنية.

وقد اختارت بعض الجامعات الأردنية الاستثمار في هذه الجوانب ضمن توجهاتها الأكاديمية، انطلاقاً من إدراكها أن جودة الخريج تمثل أحد أهم عناصر السمعة المؤسسية والاستدامة التنافسية للجامعة.

وتتجاوز نتائج هذا الاستثمار حدود حصول الخريج على وظيفة، لتشمل مستوى أدائه داخل المؤسسة التي يعمل بها، وقدرته على التطور المهني، والمنافسة على المواقع القيادية، والمساهمة في الابتكار والإنتاجية. كما يتحول الخريج الناجح إلى أحد أهم عناصر بناء السمعة الأكاديمية للجامعة التي تخرج فيها، ويصبح أداؤه المهني مؤشراً مؤثراً في نظرة أصحاب العمل والطلبة الجدد إلى تلك المؤسسة.

وفي هذا الإطار، تتعامل مؤسسات التصنيف الجامعي الدولية، ومن بينها QS وTimes Higher Education، مع مؤشرات تتصل بسمعة الجامعات لدى أصحاب العمل، ومخرجات التوظيف، والبحث العلمي، وجودة البيئة التعليمية، والعلاقات الدولية، والشراكات مع القطاعات الاقتصادية، وفق منهجيات وأوزان تختلف من تصنيف إلى آخر.

غير أن خصوصية سوق العمل الأردني، والتحديات المرتبطة بأعداد الخريجين والبطالة والتفاوت في مستويات التأهيل، تفتح المجال أمام تطوير نموذج وطني متخصص يمنح جودة المخرجات الجامعية وزناً محورياً في تقييم المؤسسات التعليمية.

ويمكن أن يستند هذا النموذج إلى منظومة مؤشرات قابلة للقياس والتحقق، تشمل نسب توظيف الخريجين خلال فترات محددة بعد التخرج، ومدى ارتباط وظائفهم بتخصصاتهم، ونتائج اختبارات الكفاءة المهنية، وتقييم أصحاب العمل، ومستوى المهارات التطبيقية والرقمية واللغوية، ونسب المشاركة في التدريب العملي، والتطور الوظيفي للخريجين، وقدرتهم على المنافسة في الأسواق الخارجية.

كما ينبغي أن يراعي النموذج اختلاف طبيعة التخصصات والقطاعات، والظروف الاقتصادية التي تؤثر في فرص التوظيف، وأن يعتمد بيانات موثوقة وآليات تدقيق مستقلة، بما يضمن عدالة المقارنة بين الجامعات الرسمية والخاصة، ويحول دون اختزال جودة المؤسسة التعليمية في مؤشر منفرد.

ومن شأن اعتماد مثل هذه المنهجية أن يوفر للطلبة وأولياء الأمور وأصحاب العمل وصناع القرار مرجعاً وطنياً يساعدهم على قراءة أداء الجامعات وفق نتائج قابلة للتحقق، ويدفع المؤسسات التعليمية إلى تعزيز الاستثمار في جودة برامجها ومخرجاتها.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية المقترح الذي طرحناه سابقاً بشأن تصنيف الجامعات الأردنية ضمن فئات تستند إلى معايير علمية ومؤسسية واضحة، بحيث يعكس التصنيف مستويات الأداء الفعلية، ويمنح كل جامعة فرصة لإظهار نقاط قوتها ومجالات التطوير المطلوبة.

ويمكن أن يشكل هذا التوجه أساساً لتطوير منظومة تصنيف أردنية أوسع تشمل قطاع التعليم بمراحله ومؤسساته المختلفة، وفق أطر تقييم متخصصة تتناسب مع طبيعة كل مرحلة تعليمية، وتستفيد من الخبرات الدولية مع مراعاة الخصوصية الوطنية.

إن بناء تصنيف وطني لجودة المخرجات التعليمية يتطلب استقلالية في التقييم، وشفافية في المعايير، ودقة في جمع البيانات، ومشاركة الجهات الأكاديمية والاقتصادية والمهنية ذات العلاقة، بما يضمن أن تكون النتائج أداة للتطوير والتحسين المستمر، ومرجعاً موثوقاً لقياس الأداء المؤسسي.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، نعمل على تطوير تصور متكامل لتصنيف وطني للمؤسسات التعليمية، يرتكز على جودة المخرجات وكفاءة التأهيل والأثر الفعلي للخريجين، إلى جانب المؤشرات الأكاديمية والمؤسسية الأخرى، تمهيداً للإعلان عن تفاصيله ومنهجيته خلال المرحلة المقبلة بإذن الله تعالى.

ويبقى السؤال الأساسي الذي ينبغي أن توجهه كل جامعة إلى نفسها، وأن يشكل محوراً رئيسياً في تقييم أدائها: ما الذي يستطيع خريجونا إنجازه بالمعرفة والمهارات التي اكتسبوها خلال سنوات الدراسة، وما القيمة التي يضيفونها إلى المؤسسات والقطاعات التي يعملون فيها؟

فالإجابة الموثقة عن هذا السؤال يمكن أن تصبح أساساً لمرحلة جديدة من تقييم جودة التعليم العالي في الأردن، تكون فيها كفاءة الخريج وأداؤه المهني وأثره الاقتصادي والمجتمعي من أهم الشواهد على جودة الجامعة التي منحته شهادته.