أخبار اليوم - تالا الفقيه
أكد مالك حداد أن مشروع القطار الكهربائي الخفيف الذي تعتزم الحكومة طرحه لربط مجمع المحطة في العاصمة عمّان بمطار الملكة علياء الدولي يمثل خطوة مهمة طال انتظارها لتطوير منظومة النقل العام في الأردن، محذرًا في الوقت ذاته من المخاطر المالية المحتملة للمشروع، وغياب الوضوح بشأن تكلفته وجدواه الاقتصادية ومدى تكامله مع مشاريع النقل الأخرى.
وقال حداد إن الأردن يحتاج فعليًا إلى وسيلة نقل حديثة ومنتظمة تربط العاصمة بمطار الملكة علياء الدولي، الذي استقبل نحو عشرة ملايين مسافر خلال العام الماضي، باعتباره البوابة الجوية الرئيسية للمملكة، مؤكدًا أن استمرار الاعتماد شبه الكامل على السيارات الخاصة وسيارات الأجرة للوصول إلى المطار لا ينسجم مع متطلبات تطوير النقل العام.
وأوضح أن أهمية المشروع تنطلق من توفير وسيلة نقل جماعي موثوقة، تتيح للمسافرين والعاملين في المطار التنقل بصورة أكثر انتظامًا، وتخفف الاعتماد على المركبات الخاصة، بما ينعكس على الحركة المرورية وكفاءة منظومة النقل.
وأشار إلى أن المشروع المطروح يتضمن إنشاء خط قطار كهربائي خفيف بطول يقارب 37 كيلومترًا بين مجمع المحطة ومطار الملكة علياء الدولي، مع خطط لربطه بشبكة الباص سريع التردد والحافلات وسيارات الأجرة، ضمن مشروع تعتزم الحكومة عرضه على المستثمرين الأوروبيين خلال مؤتمر الاستثمار الأردني الأوروبي المقرر عقده في البحر الميت في 19 تشرين الثاني المقبل.
وأضاف حداد أن إحدى أبرز إيجابيات المشروع تتمثل في فكرة التكامل بين وسائل النقل المختلفة، موضحًا أن اختيار مجمع المحطة نقطة للربط يمثل توجهًا صحيحًا، نظرًا إلى وجود شبكة من وسائل النقل العام التي يمكن أن تتكامل مع القطار.
وشدد على أن نجاح مشاريع النقل العام يعتمد على وجود شبكة مترابطة تسمح للمواطن بالانتقال بين الوسائل المختلفة بسهولة، مؤكدًا أن إنشاء خطوط نقل منفردة دون ربطها ببقية الشبكة يحد من قدرتها على استقطاب الركاب وتحقيق أهدافها.
وبيّن أن طرح المشروع بصيغة استثمارية تستهدف الشراكة مع مستثمرين أوروبيين يحمل جوانب إيجابية، من بينها إمكانية الاستفادة من التقنيات الحديثة والخبرات المتقدمة في قطاع النقل بالسكك الحديدية، وتخفيف الأعباء التمويلية المباشرة عن الموازنة العامة.
وأشار إلى أن القطار الكهربائي ينسجم كذلك مع توجهات الأردن نحو خفض الانبعاثات والتحول إلى وسائل نقل أكثر استدامة، خصوصًا مع تزايد الحاجة إلى الحد من استخدام السيارات الخاصة في الرحلات اليومية.
وفي المقابل، حذر حداد من أن الإيجابيات المتوقعة لا تعفي الجهات المعنية من ضرورة التعامل بشفافية مع الجوانب المالية للمشروع، وفي مقدمتها التكلفة الاستثمارية والالتزامات التي قد تترتب على الحكومة ضمن اتفاقيات الشراكة مع القطاع الخاص.
وقال إن التكلفة التقديرية للمشروع لم تتضح بصورة كافية حتى الآن، مشيرًا إلى أن مشاريع الشراكة الاستثمارية قد تتضمن ضمانات يطلبها المستثمرون، ومنها ضمان حد أدنى من الإيرادات أو أعداد الركاب.
وأوضح أن هذه الضمانات قد تتحول إلى التزامات مالية على الخزينة إذا جاءت أعداد المستخدمين والإيرادات الفعلية دون التوقعات التي بُنيت عليها دراسات الجدوى، ما يستدعي التدقيق في طبيعة الاتفاقيات قبل الالتزام بها.
وأكد أن التحدي الحقيقي يتمثل في ضمان وجود طلب فعلي على خدمة القطار، بحيث تستطيع الإيرادات المتحققة من التشغيل دعم استدامة المشروع، دون الحاجة إلى تحميل المالية العامة أعباء إضافية غير محسوبة.
وتوقف حداد عند الإطار الزمني المتوقع لتنفيذ المشروع، مشيرًا إلى أن التقديرات تتحدث عن بدء التشغيل عام 2031، أي بعد نحو خمس سنوات، وهي فترة تستدعي التنسيق المبكر مع مشاريع النقل الأخرى المطروحة أو الجاري دراستها.
وأوضح أن هناك مشروعًا آخر لقطار خفيف بين عمّان والزرقاء، مع إمكانية امتداده لاحقًا إلى مطار الملكة علياء الدولي، إلى جانب دراسات تجريها أمانة عمّان الكبرى لتطوير مسارات جديدة للباص سريع التردد باتجاه شارع المطار.
وكانت الحكومة قد أعلنت سابقًا عن دراسات للاستفادة من البنية التحتية للخط الحديدي الحجازي لتشغيل قطار خفيف يربط عمّان والزرقاء، مع امتداد لاحق نحو المطار، ضمن توجه لتكامل المشروع مع الباص سريع التردد.
وتساءل حداد عن مدى وجود خطة وطنية موحدة تجمع هذه المشاريع، وما إذا كانت المسارات المقترحة تتكامل في خدمة المواطنين، أم أنها قد تتنافس على الممرات نفسها ومصادر التمويل وأعداد الركاب المتوقعة.
وحذر من أن غياب التنسيق قد يؤدي إلى تداخل الاستثمارات وتكرار البنية التحتية، ما يضعف الجدوى الاقتصادية للمشاريع ويؤثر في قدرتها على تقديم خدمة نقل متكاملة.
وطالب حداد بنشر دراسة الجدوى الاقتصادية للمشروع، والإفصاح عن تقديرات التكلفة وأعداد الركاب والإيرادات المتوقعة، بما يتيح تقييم جدواه ومدى قدرته على الاستمرار ماليًا وتشغيليًا.
وأكد ضرورة أن تكون توقعات الطلب على الخدمة مبنية على أرقام واقعية، تأخذ في الاعتبار طبيعة حركة المسافرين والعاملين في المطار، وكلفة التذاكر، وسهولة الوصول إلى المحطات، ومدى قدرة القطار على منافسة وسائل النقل الأخرى.
وأشار إلى أهمية دراسة إضافة محطات وسيطة تخدم التجمعات السكنية الواقعة على مسار القطار، بحيث لا تقتصر فائدته على المسافرين من العاصمة إلى المطار، وإنما تمتد إلى السكان الذين يحتاجون إلى وسائل نقل منتظمة في تنقلاتهم اليومية.
وأضاف أن زيادة عدد المستفيدين من القطار يمكن أن تعزز جدواه التشغيلية، شريطة اختيار مواقع المحطات بناءً على دراسات الطلب والكثافة السكانية واحتياجات مستخدمي النقل العام.
وشدد على ضرورة إنشاء شبكة حافلات مغذية لمحطات القطار، تتيح للمواطنين الوصول إليها بسهولة من الأحياء والتجمعات السكنية، بدل الاعتماد على السيارات الخاصة للوصول إلى المحطات.
كما دعا إلى اعتماد نظام تذاكر موحد يربط القطار الكهربائي بالباص سريع التردد والحافلات، بما يسمح للركاب باستخدام وسائل النقل المختلفة ضمن منظومة واحدة، ويجعل الانتقال بينها أكثر سهولة وأقل تكلفة.
وأكد أن المشروع يجب أن يكون جزءًا من خطة وطنية شاملة للسكك الحديدية والنقل العام، تضمن تكامل المشاريع القائمة والمستقبلية وتحدد أولويات التنفيذ والاستثمار، بعيدًا عن القرارات المنفردة التي قد تؤدي إلى تداخل المسارات والاختصاصات.
ولفت حداد إلى أن نجاح المشروع لا يمكن الحكم عليه بمجرد إعلان الفرصة الاستثمارية أو توقيع الاتفاقيات خلال مؤتمر البحر الميت، وإنما بقدرته الفعلية على جذب المستخدمين وتقديم خدمة منتظمة ومستدامة.
وقال إن معيار النجاح الحقيقي يتمثل في عدد الركاب الذين سيستخدمون القطار يوميًا، ومدى مساهمته في تسهيل وصول المواطنين والمسافرين إلى المطار، وقدرته على الاستمرار دون أن يتحول مع مرور السنوات إلى عبء مالي على الخزينة.
وأكد حداد أن إنشاء قطار كهربائي يربط عمّان بمطار الملكة علياء الدولي يمثل فكرة صحيحة وضرورية طال انتظارها، لكن تنفيذها يتطلب وضوحًا ماليًا وتخطيطًا متكاملًا ودراسات واقعية تضمن تحقيق الفائدة المرجوة.
وشدد على أن «المشروع الجيد هو الذي يُبنى على أرقام واقعية، ويخدم الناس قبل أن يخدم الصورة»، مؤكدًا أن تطوير النقل العام يجب أن يقاس بجودة الخدمة وعدد المستفيدين واستدامة التشغيل، وليس بحجم الاستثمارات المعلنة أو مراسم توقيع الاتفاقيات.