(أخبار اليوم – تالا الفقيه)
قالت الدكتورة دانيا عربيات إن الدول تمر في كل مرحلة تاريخية بلحظة فاصلة تنتقل فيها من إدارة الواقع إلى صناعة المستقبل، مؤكدة أن الرهان في هذه اللحظات لا يكون على الأنظمة أو الموارد وحدها، بل على الإنسان القادر على الفهم واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية.
وأوضحت عربيات أن مسار التحديث الإداري الذي يقوده جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين يشكّل الإطار الذي تتبلور داخله عملية الانتقال نحو صناعة الغد، خاصة في ظل التحديات المتسارعة التي فرضتها التحولات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، ومفاهيم التمكين، والانتقال من المركزية إلى اللامركزية، وما رافق ذلك من ضغط في القرار والتغيير المؤسسي.
وأضافت أن هذه التحولات تطرح أسئلة جوهرية حول مفهوم القيادة، وكيفية إعداد قيادات إدارية قادرة على حمل مشروع التحديث، مشددة على أهمية الانتقال من منطق انتظار الشواغر القيادية إلى منطق صناعة القادة قبل الحاجة إليهم.
وبيّنت أن من أبرز الأدوات العالمية في بناء القيادات ما يعرف ببرامج “قيادات الظل”، التي تركز على الجاهزية القيادية لا على الألقاب، وتسعى إلى إعداد كفاءات بشرية تمتلك عمقًا قياديًا من خلال مرافقة متخذي القرار، والتعلم بالممارسة، والمشاهدة المباشرة لإدارة الأزمات واتخاذ القرارات، بعيدًا عن الطرح النظري المجرد.
وأشارت إلى أن هذه البرامج تسهم في منع الفراغ القيادي المفاجئ وتفادي الصدمة القيادية التي قد تنعكس سلبًا على جودة القرار في المراحل الانتقالية، لافتة إلى أن المشاركين فيها يخضعون لتقييم مستمر يعتمد على قياس الخصائص الشخصية والاستعداد القيادي، والعمل ضمن مواقف افتراضية وسياقات تحاكي الواقع العملي.
وأكدت عربيات أن بناء القيادات لا يمكن أن يعتمد على الجهد الفردي فقط، بل يتطلب إطارًا وطنيًا جامعًا يحفظ الكفاءات ويمنع تسربها، ويحوّلها إلى قوة استراتيجية للدولة، مشيرة إلى طرح فكرة استحداث بنك وطني لرأس المال البشري المؤهل خلال ملتقى التطوير الإداري والحوكمة.
وأوضحت أن هذا البنك يهدف إلى توثيق الخبرات، ورصد الإمكانات، وقياس الجاهزية القيادية وفق معايير واضحة وعادلة، ودعم التعاقب الإداري بموارد بشرية جاهزة من خلال قواعد بيانات، وتقييمات معيارية، ومسارات تطوير مرتبطة ببرامج إعداد نوعية ومهام تكليفية مؤقتة، إضافة إلى منصة ربط مع الجهات الحكومية عند الحاجة.
ولفتت إلى أن الكفاءات القيادية لا تقتصر على القطاع العام، بل قد تكون موجودة في القطاع الخاص أو بين طلبة الجامعات، ما يستدعي العمل على اكتشافها مبكرًا واستثمارها بوصفها ذراعًا داعمًا لمسار التحديث الإداري، لا بديلًا عن المسار الوظيفي.
وختمت عربيات بالتأكيد على أن صناعة القادة منظومة متكاملة تبدأ باكتشاف الخصائص القيادية، وتمر ببنائها وتطويرها، وصولًا إلى تشكيل منظومة قيادية قادرة على حماية المكتسبات وصناعة الفرص المستقبلية، معتبرة أن الاستثمار في الإنسان ورأس المال البشري هو الرهان الأكثر أمانًا لبناء مؤسسات قوية وتحقيق التحديث الإداري المستدام.