أخبار اليوم - تالا الفقيه - تتصاعد مطالب مواطنين في عدد من القرى والأطراف بضرورة توفير حافلات النقل العام يوم الجمعة، وتمديد ساعات عملها حتى الثامنة مساءً بدلًا من توقفها عند الخامسة، في وقت يقول فيه سكان إن المجمعات تتحول بعد العصر إلى “مدن أشباح”، ويجد آلاف الموظفين والعمال والطلبة أنفسهم عالقين دون وسيلة عودة آمنة أو ميسّرة.
ويؤكد مواطنون أن يوم الجمعة لم يعد يوم عطلة تقليديًا كما كان في السابق، بعدما فرضت الظروف الاقتصادية وأنماط العمل الجديدة واقعًا مختلفًا، حيث يعمل كثيرون في المطاعم والمولات والمستشفيات والأسواق والمصانع وقطاعات الخدمات، ما يجعل غياب النقل مساءً أزمة أسبوعية تتكرر بصمت.
يقول أحد الموظفين العاملين في قطاع المطاعم إن انتهاء الدوام مساء الجمعة يعني بداية “رحلة معاناة” للعودة إلى قريته، مضيفًا أن آخر باص يغادر قبل انتهاء دوامه بساعات، ما يضطره إلى استئجار سيارة بأجرة مرتفعة تستهلك جزءًا كبيرًا من راتبه. ويضيف: “كيف يُعقل أن تتوقف الحياة الساعة الخامسة بينما الناس ما زالت تعمل؟”.
وتتكرر الشكاوى ذاتها على ألسنة طلاب جامعات وعمال مياومة وموظفات في قطاعات صحية وتجارية، يعتبرون أن ضعف النقل يوم الجمعة يعمّق الفجوة بين مراكز المدن والقرى، ويزيد من عزلة المناطق الطرفية التي تعتمد بشكل شبه كامل على الباصات الحكومية والخطوط المحدودة.
ويصف مواطنون مشهد المجمعات بعد الخامسة مساء بأنه “كئيب وخالٍ”، مؤكدين أن الحركة التجارية تتراجع بشكل واضح مع توقف الباصات المبكر، حيث تُغلق محال أبوابها سريعًا بسبب غياب الزبائن وصعوبة التنقل.
في المقابل، يرى مراقبون أن القضية لم تعد مجرد مطلب خدمي بسيط، بل تحولت إلى ملف اقتصادي واجتماعي يرتبط بحق المواطنين في التنقل والوصول إلى أعمالهم وخدماتهم الأساسية. ويشير مختصون في شؤون النقل إلى أن أنظمة التشغيل الحالية ما تزال مبنية على مفهوم قديم يعتبر الجمعة يوم توقف شبه كامل، بينما تغيّرت طبيعة المدن وسوق العمل بشكل جذري خلال السنوات الأخيرة.
ويقول خبير في النقل العام إن تمديد ساعات عمل الباصات حتى الثامنة مساءً على الأقل سيخفف الضغط الاقتصادي على الأسر محدودة الدخل، ويقلل الاعتماد على وسائل النقل الخاصة والتطبيقات مرتفعة الكلفة، مؤكدًا أن كثيرًا من دول المنطقة بدأت بإعادة هيكلة النقل وفق أنماط الحياة الحديثة وليس وفق “تقويم العطل التقليدي”.
لكن أصواتًا أخرى تبدي تحفظها على الفكرة، معتبرة أن تشغيل الباصات لساعات أطول يوم الجمعة قد لا يكون مجديًا اقتصاديًا في بعض الخطوط ذات الكثافة المحدودة، خاصة في القرى البعيدة. ويقول بعض العاملين في قطاع النقل إن الإيرادات الضعيفة أصلًا قد لا تغطي كلفة الوقود والتشغيل الإضافي، ما لم يكن هناك دعم حكومي مباشر أو إعادة تنظيم شاملة للخطوط.
ويرى معارضون أن المشكلة لا تتعلق فقط بتمديد الوقت، بل بسوء التخطيط الكامل لشبكات النقل، حيث تغيب الدراسات الدقيقة لحركة الركاب واحتياجات المناطق الطرفية، فيما تتركز الخدمات غالبًا في مراكز المدن على حساب القرى والأحياء البعيدة.
ومع اتساع النقاش، يطالب ناشطون بإطلاق خطة وطنية شاملة للنقل العام تراعي العدالة بين المحافظات والقرى، وتتعامل مع يوم الجمعة باعتباره يوم نشاط اقتصادي واجتماعي متكامل، لا فترة شلل مبكر تنتهي عند غروب الشمس.
ويؤكد مواطنون أن مطلبهم لا يقتصر على “باص إضافي” أو “ساعة عمل أطول”، بل يتعلق بكرامة الناس وحقهم في التنقل الآمن والعادل، متسائلين: “كيف يُطلب من الموظف أن يعمل حتى المساء بينما وسيلة عودته تختفي قبل انتهاء دوامه؟”.
وفي ظل استمرار الجدل، تبقى المجمعات مساء الجمعة شاهدة على أزمة نقل تتكرر كل أسبوع؛ مقاعد فارغة، وأرصفة صامتة، ومواطنون ينتظرون حلولًا قد تعيد الحياة إلى خطوط باتت تنام مبكرًا، فيما المدن لم تعد تفعل ذلك منذ سنوات.