أخبار اليوم - تالا الفقيه - في عدد من المدارس الحكومية في الأردن، خصوصًا في المدن الكبرى والمناطق ذات الكثافة السكانية العالية، يبرز ملف الاكتظاظ داخل الصفوف كأحد أكثر التحديات التي يصفها معلمون وأهالٍ ومختصون بأنها لم تعد مجرد مشكلة تنظيمية، بل عامل مباشر ينعكس على جودة التعليم اليومية وعلى قدرة الطالب على التلقي والتفاعل داخل الغرفة الصفية.
داخل أحد الصفوف في مدرسة حكومية في عمّان، يجلس عدد كبير من الطلبة في مساحة تبدو بالكاد قادرة على استيعابهم، حيث يشير معلمون إلى أن الحركة داخل الصف أصبحت محدودة، وأن إيصال المعلومة يحتاج إلى وقت وجهد مضاعف. أحد المعلمين يصف المشهد بالقول إن “المعلم لم يعد يشرح فقط، بل يحاول أن يضمن أن كل طالب سمعه أصلًا”، مضيفًا أن المتابعة الفردية أصبحت شبه مستحيلة في ظل هذا العدد.
في المقابل، يرى بعض أولياء الأمور أن المشكلة لا تتوقف عند حدود الصف، بل تمتد إلى البيئة التعليمية ككل، إذ يقول أحدهم إن ابنه “لا يحصل على نفس الاهتمام الذي كان متاحًا في سنوات سابقة”، مشيرًا إلى أن كثافة الطلبة تجعل من الصعب على المعلم متابعة الفروق الفردية أو التعامل مع الطلبة الذين يحتاجون دعمًا إضافيًا. ويضيف أن الأهالي “باتوا مضطرين لتعويض هذا النقص بالدروس الخصوصية، ما يزيد العبء المالي عليهم”.
لكن في المقابل، لا يتفق الجميع على أن الاكتظاظ وحده هو سبب تراجع التحصيل، إذ يرى بعض المراقبين أن المشكلة مركبة، وأنها ترتبط أيضًا بضعف البنية التحتية في بعض المدارس، ونقص الكوادر، وأحيانًا تغيّر أساليب التعليم. ويؤكد أحد المختصين في الشأن التربوي أن “العدد الكبير داخل الصف يؤثر بلا شك، لكنه ليس العامل الوحيد”، مضيفًا أن “هناك مدارس مكتظة لكنها تحقق نتائج جيدة نسبياً بسبب إدارة مدرسية فعالة”.
في الجانب الآخر، يدافع بعض العاملين في القطاع التعليمي عن فكرة أن المدارس الحكومية تقوم بدور كبير رغم الضغط، مشيرين إلى أن النظام التعليمي يستوعب أعدادًا ضخمة من الطلبة سنويًا، وأن هذا بحد ذاته “إنجاز في ظل محدودية الموارد”. ويقول أحدهم إن الحل لا يكمن فقط في تقليل الأعداد داخل الصفوف، بل في بناء مدارس جديدة وتوزيع الطلبة بشكل أكثر توازنًا.
لكن أصواتًا أخرى تحذر من أن استمرار الاكتظاظ قد يؤدي إلى فجوة تعليمية متزايدة بين الطلبة، حيث يرى مختصون أن الطالب داخل صف يضم أعدادًا كبيرة قد يفقد جزءًا من التفاعل الأساسي المطلوب في العملية التعليمية، ما ينعكس لاحقًا على مهاراته الأكاديمية وحتى الاجتماعية. ويضيف أحدهم أن “التعليم في هذه الحالة يتحول من عملية تفاعلية إلى تلقين شبه جماعي”.
وفي ظل هذا المشهد، تبقى المدارس الحكومية أمام واقع مزدوج: ضغط متزايد في أعداد الطلبة من جهة، وحاجة متنامية إلى تحسين جودة التعليم من جهة أخرى، بينما يستمر الجدل بين من يرى أن الحل يبدأ من تقليل الاكتظاظ، ومن يعتقد أن إصلاح المنظومة التعليمية يحتاج إلى مقاربة أوسع تتجاوز حدود الصفوف المزدحمة، في وقت يبقى فيه الطالب هو الطرف الأكثر تأثرًا بهذا التوازن الصعب.