أخبار اليوم - ناقش متخصصون مفهوم المدينة الذكية في الأردن كمسار استراتيجي يتجاوز البعد التكنولوجي إلى أبعاد إنسانية وتشريعية عميقة، وذلك خلال جلسة متخصصة ضمن أعمال منتدى التواصل 2026 في نسخته الرابعة "رؤى لفرص الغد"، الذي انطلقت فعالياته في مركز الملك الحسين بن طلال للمؤتمرات بمنطقة البحر الميت، برعاية سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، اليوم السبت.
الجلسة، التي حملت عنوان "أنماط العيش في عالم متغير: كيف تتشكل مجتمعاتنا اليوم"، جمعت مسؤولين وخبراء في التخطيط الحضري والاقتصاد والهندسة المعمارية، وناقشت تحولات المدن الذكية وجودة الحياة في الأردن، بوصفها نقطة تقاطع بين التخطيط، والتشريع، والتكنولوجيا، والسلوك المجتمعي.
وأكد رئيس لجنة أمانة عمان الكبرى الدكتور يوسف الشواربة، أن مفهوم المدن الذكية لا يُختزل في البنية الرقمية، بل يتمحور حول تحسين جودة الحياة اليومية للمواطن، مشددا على أن التشريع يمثل بوابة المستقبل والمفتاح الحقيقي لأي تحول حضري مستدام.
وقال الشواربة لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) على هامش الجلسة، إن النموذج المستقبلي للمدينة يجب أن يقوم على سهولة الوصول إلى الخدمات، والقرب المكاني، وتوفير المساحات الخضراء، معتبرا أن التحديات الأبرز التي تواجه المدن الأردنية ضعف البنية التحتية في مواجهة التغير المناخي، والعشوائية العمرانية وغياب الفضاءات العامة.
وأشار إلى أن عمّان تواجه فجوة بين توقعات المواطنين ومستوى التنفيذ على أرض الواقع، مرجعا ذلك إلى تراكمات تاريخية في التخطيط، إذ لم تُصمم المدينة لاستيعاب الزيادات السكانية الناتجة عن موجات اللجوء والهجرة، ما أضعف قدرتها الاستيعابية.
وبيّن أن التشريعات الحالية، وعلى رأسها قانون المدن والقرى لعام 1966، ما تزال أقرب إلى الإطار الإجرائي منها إلى التخطيط الاستراتيجي، ما يستدعي مراجعات جوهرية تواكب التحولات الحديثة.
وأشار الشواربة إلى إعداد أمانة عمّان خطة استراتيجية تمتد لخمس سنوات، تركز على رفع جودة الحياة، وتعزيز منعة المدينة، والتحول نحو مدينة خضراء ونظيفة، وتحويل المبادرات إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، مع إدخال إصلاحات إجرائية تشمل تبسيط استخدامات الأراضي وتعزيز مشاركة المواطنين في اتخاذ القرار التخطيطي.
وفي السياق ذاته، شدد رئيس مجلس إدارة البنك الأهلي سعد المعشر، على أن القطاع الخاص لم يعد مجرد منفذ للمشاريع، بل شريك أساسي في تشكيل هوية المدن، مؤكدا أن نجاح أي نموذج حضري يتطلب حوكمة رشيدة، وتكاملا مؤسسيًا، وتوازنا بين الربحية والقيمة المجتمعية.
من جانبه، قدّم خبير الهندسة المعمارية رامي طاهر، قراءة نقدية لمفهوم الهوية المكانية، معتبرا أنها كيان ديناميكي يتشكل بفعل التحولات الاجتماعية والثقافية، وليس قالبًا ثابتًا، محذرا من فرض نماذج تنظيمية جاهزة لا تراعي خصوصية المكان وموارده الطبيعية.
بدوره، عرض المهندس المعماري عمار خماش نماذج تطبيقية لمشاريع عمرانية تراعي الإنسان والبيئة، مؤكدا أن التصميم الحضري يمكن أن يكون أداة فعالة لإيجاد مساحات تفاعلية وتعزيز الروابط المجتمعية.
وفي محور النقل، أوضح المهندس حازم الزريقات أن إيجاد حلول لأزمة السير في عمّان يتطلب إعادة تخطيط الأحياء وتطوير منظومة نقل عام فعالة، مع إشراك مختلف أصحاب المصلحة في صناعة القرار.
وبين أن النمو المتسارع في أعداد المركبات، مقابل محدودية البنية التحتية، فاقم من الاختناقات المرورية، لافتا إلى أن التعامل مع هذه الأزمة يجب أن يكون شموليا يربط بين التخطيط الحضري والاقتصاد والسلوك المجتمعي.
وأكد المشاركون في الجلسة أن التحول نحو المدن الذكية في الأردن لم يعد خيارًا تقنيًا، بل ضرورة استراتيجية متعددة الأبعاد، تتطلب تحديثًا تشريعيًا عميقًا، وتعزيز الشراكات، وإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان.
ويعد منتدى تواصل منصة حوارية وطنية تنظمها مؤسسة ولي العهد سنويا، بهدف تعزيز المشاركة العامة وتبادل الرؤى بين صناع القرار والخبراء والشباب، بما يسهم في رسم السياسات المستقبلية.