أخبار اليوم - وسن المناصير - لم يعد الحديث عن سوق العمل يدور فقط حول توفر الوظائف أو ندرتها، بل بات يتجه نحو سؤال أكثر تعقيداً: هل يمكن فعلاً الاستمرار في وظيفة موجودة؟ هذا السؤال يفرض نفسه في ظل شهادات متزايدة لمواطنين يقولون إنهم يتركون أعمالاً بعد فترات قصيرة، ليس لغياب الفرص، بل لأن كلفة العمل اليومية نفسها أصبحت عبئاً لا يمكن تحمّله.
شاب في بداية الثلاثينات من عمره يروي تجربته بعد تركه وظيفة في منطقة صناعية خارج العاصمة، رغم حاجته الماسّة للدخل، قائلاً إن الراتب الذي كان يتقاضاه لم يكن كافياً لتغطية تكاليف المواصلات والطعام اليومي. ويضيف أن يومه كان ينتهي وهو يشعر أنه “يعمل فقط ليصل إلى العمل”، في إشارة إلى فجوة واضحة بين الجهد المبذول والعائد الفعلي الذي يحصل عليه.
هذه الشهادة ليست حالة فردية بحسب ما يرويه مواطنون آخرون، إذ يشير بعضهم إلى أن العمل في وظائف بعيدة عن أماكن السكن أصبح يتطلب حسابات دقيقة قبل اتخاذ القرار، ليس فقط من حيث الراتب، بل من حيث الوقت والتكلفة والجهد، وهو ما يدفع البعض إلى رفض وظائف أو تركها رغم الحاجة إليها.
في المقابل، يرى أصحاب عمل أن سوق العمل يعاني من فجوة في التوقعات، مؤكدين أن بعض الوظائف متاحة فعلاً لكنها تتطلب مرحلة بداية قد تكون صعبة، وأن الاستمرارية في العمل أصبحت تحدياً لدى شريحة من الشباب الذين يبحثون عن دخل سريع يتناسب مع متطلبات الحياة اليومية. ويعتبر هؤلاء أن المشكلة لا تكمن في توفر الوظائف بحد ذاتها، بل في ثقافة العمل والقدرة على التكيف مع بداياته.
لكن مختصين في الاقتصاد وسوق العمل يقدمون قراءة مختلفة، إذ يشيرون إلى أن ما يحدث يعكس اختلالاً في معادلة الأجور مقابل الكلفة الفعلية للعمل، حيث لا يتم احتساب التكاليف المرتبطة بالوصول إلى مكان العمل ضمن تصور الراتب، ما يؤدي إلى خلق وظائف “قائمة نظرياً” لكنها غير قابلة للاستمرار عملياً لدى بعض الفئات. ويضيف هؤلاء أن ارتفاع كلفة المعيشة، خاصة النقل والطعام، جعل جزءاً من الدخل يذهب مباشرة قبل أن يُستخدم فعلياً كدخل صافي.
ويؤكد بعض المختصين أن هذه الظاهرة تتفاقم في المناطق الصناعية والوظائف التي تتطلب تنقلاً يومياً لمسافات طويلة، حيث يتحول جزء كبير من الراتب إلى مصاريف تشغيل شخصية للعامل نفسه، ما يخلق حالة من الإرهاق الاقتصادي المستمر، ويدفع البعض لإعادة النظر في جدوى العمل ذاته.
في المقابل، لا يتفق جميع المراقبين مع هذا الطرح، إذ يرى آخرون أن المشكلة لا يمكن اختزالها في كلفة المواصلات أو الطعام فقط، بل ترتبط أيضاً بتغير في أنماط التفكير لدى جيل جديد من العاملين، يبحث عن بيئة عمل مرنة ودخل سريع واستقرار فوري، وهو ما لا يتوفر في جميع القطاعات. ويضيف هؤلاء أن سوق العمل عالمياً يمر بتحولات مشابهة، حيث أصبحت المرونة والتوازن أهم من مجرد توفر الوظيفة.
وبين هذه القراءات المختلفة، تبقى الصورة في عمّان مركبة: وظائف متاحة من جهة، لكن استمرار العاملين فيها ليس مضموناً من جهة أخرى، في ظل معادلة اقتصادية دقيقة تتداخل فيها الرواتب مع كلفة المعيشة والتنقل والوقت والجهد.
وفي ظل هذا المشهد، يظل السؤال مفتوحاً أمام صناع القرار والباحثين في سوق العمل: هل التحدي الحقيقي اليوم هو في خلق وظائف جديدة، أم في جعل الوظائف القائمة قابلة للحياة والاستمرار فعلياً.