الدكتور خالد محمد السُليمي: عقيد ركن متقاعد باحث ومحلل في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية
التحول من التكتيك إلى البنية
لم يعُد ما يجري في الكيان الإسرائيلي مُجرد ردود فعل تكتيكية على متغيرات لحظية، بل تحول إلى إيديولوجية بنيوية تتغذى على فكرة "الاستعصاء" كأداة للوجود، فما كان يُسوَّق كإجراءات أمنية مرحلية أو مكاسب سياسية مؤقتة، أصبح اليوم عقيدة متجذرة في صميم صناعة القرار هناك، هذا التحول لم يحدث بين ليلة وضحاها، بل تراكم عبر عقود من استغلال الانقسامات العربية، والتوظيف الماهر لرواية الضحية، والاستثمار غير المحدود في علاقات القوة غير المتكافئة، النتيجة هي كيان لم يعُد يرى في التسوية سبيلاً، بل يعتبر أن "إدارة الصراع" إلى الأبد هي الضمانة الوحيدة لبقائه، معتمدا على شرطنة الأمن الإقليمي وتسليع السياسة الدولية، أمام هذا الاستعصاء، لم يعُد مقبولاً تحميل المقاومة وحدها تبعات الجمود، فالمرض بنيوي والجذور أيديولوجية، لذا يحتاج العرب إلى قراءة جديدة، تنتقل من رد الفعل إلى استراتيجيات اختراق تعترف بأن المعركة اليوم هي على بنية العقل الإسرائيلي قبل الأرض.
انعكاسات الاستعصاء على الأردن والمنطقة
هذا الاستعصاء البنيوي يضع الأردن، بحكم جواره المباشر وامتداده السكاني والتاريخي، في دائرة الاستهداف الأكثر تعقيداً، فإسرائيل التي تعجز عن تقديم أفق سياسي حقيقي، تتجه نحو تفريغ مفاهيم "الدولة الفلسطينية" من مضمونها، واستبدالها بـ"كانتونات أمنية" منعزلة، مما يعني تصدير أزماتها إلى الجوار الأردني مباشرة، سياسة الأمر الواقع الإسرائيلية، المدعومة بصمت دولي مريب، تحاول ترسيخ معادلة جديدة: سلام مستقر دون حل عادل، واستقرار أردني يتحمل عبء ما لا تريد إسرائيل تحمله، هنا تكمن المفارقة: بينما يبيع العالم وهم التسوية، تتوسع البؤر الاستيطانية وتُهدم البيوت وتُسلب الأرض، ويواجه الأردن وحده تداعيات انفجار أي موقف، إن غياب استراتيجية عربية مضادة للاستعصاء الإسرائيلي يعني أن المنطقة بأكملها تسير نحو مزيد من التفكك، حيث تُستخدم ورقة اللاجئين والمياه والقدس كأدوات ابتزاز، لا حل دون إعادة تعريف الردع الإقليمي، بمعنى أن يدرك الطرف الآخر أن تجاوز الخط الأحمر الأردني له ثمن استراتيجي لا حدود له.
مواقف جلالة الملك عبدالله الثاني: الحكمة والثبات في العاصفة
في خضم هذا التعقيد، يبرز الدور الأردني بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين كالصخرة التي تتحطم عليها كل محاولات تهميش القضية الفلسطينية، جلالته لم يتردد لحظة في فضح "صفقة القرن" قبل أن ترى النور، وأعلنها صريحة: لا وطن بديل ولا حل على حساب الأردن، مواقفه ليست انفعالية بل استراتيجية عميقة، تجمع بين الثبات على المبادئ والواقعية في التعامل مع المتغيرات، في كل المحافل الدولية، كان صوت الأردن هو الصوت العاقل الذي يذكّر العالم بأن الأمن الحقيقي لا يُبنى على الظلم، حين تحدث جلالته في قمم عربية أو لقاءات دولية، لم يقدم وعوداً مستحيلة بل رسم خطوطاً حمراء واضحة: القدس خط أحمر، المسجد الأقصى خط أحمر، ورفض التوطين خط أحمر، هذه الجرأة والحكمة جعلت من الأردن شريكاً محترماً لا أداة في أيدي القوى الكبرى، إن ما يفعله جلالة الملك ليس مجرد رد على أزمات عابرة، بل هو بناء منظومة دفاع أخلاقي وسياسي عن هوية الأمة، تماماً كما فعل والده المؤسس، هذا الثبات هو السلاح الأقوى في مواجهة الاستعصاء الإسرائيلي.
إشكالية الردود العربية التقليدية
المشكلة أن الردود العربية الرسمية على هذا الاستعصاء الإسرائيلي ظلت أسيرة لنفس التكتيكية التي يدّعي الكيان أنه تجاوزها، فبينما تتطور إسرائيل من "تكتيك إلى بنية"، لا تزال بعض العواصم العربية تتعامل معها عبر آليات "إدارة الأزمة" لا "حلها"، وكأن المطلوب هو إطفاء الحرائق لا تجفيف منابعها، هناك خلل جوهري: فالخطاب الرسمي ما زال يُكرر عبارات الإدانة والاستنكار، وهي أدوات فقدت فعاليتها في مواجهة آلة بنيوية لا تعترف إلا بلغة المصالح والقوة، إضافة إلى ذلك، أدى صعود تيارات التطبيع العلني، تحت عناوين "السلام الاقتصادي" أو "مواجهة التحديات المشتركة"، إلى منح إسرائيل غطاءً عربياً لمواصلة استعصائها، دون أن تحصل الشعوب العربية على أي مقابل جوهري، لم يعُد مقبولاً أن يدفع الفلسطينيون والأردنيون ثمن سلام لا يريد الإسرائيليون تحمل تبعاته، نحن بحاجة إلى قطيعة معرفية مع إرث الحلول الترقيعية، والانتقال إلى مرحلة "الردع البنيوي" العربي، حيث تبنى سياسات قادرة على خلق اختلالات متكافئة في ميزان القوى، الفعل المطلوب اليوم ليس "التفاوض من أجل التفاوض"، بل إعادة هندسة قواعد اللعبة.
الاستعصاء كأداة لتفكيك الحلول الدولية
ما يثير القلق العميق هو كيفية توظيف إسرائيل لهذا الاستعصاء البنيوي لتفكيك أي مرجعية دولية ممكنة، بدءاً من قرارات الشرعية الدولية وصولاً إلى مبدأ حل الدولتين، فمن خلال الإمعان في خلق حقائق على الأرض-الاستيطان، الضم التدريجي، تقسيم المسجد الأقصى زمانياً ومكانياً، تفرغ هذه المرجعيات من محتواها، وتجعل أي تفاوض مجرد مسرحية تهدف لكسب الوقت، لقد بلغ الأمر ذروته في تحويل مفهوم "الأمن الإسرائيلي" إلى تبرير شامل لكل انتهاك، وكأن أمن كيان واحد يجب أن يعلو على حقوق أمة كاملة، ومع غياب رادع دولي حقيقي، تحولت الأمم المتحدة ومجلس الأمن إلى منابر للتعبير عن العجز، حيث تتعطل القرارات وتُستخدم حق النقض لحماية من يمارس الاستعصاء كسياسة، الأردن، الذي يتحمل أعباءً جمة نتيجة هذا الجمود، يجد نفسه مضطراً للعب أدوار دبلوماسية شبه مستحيلة: فهو من جهة يحمي مصالحه الوطنية، ومن جهة أخرى يحافظ على دماء القضية حية، لكن العزف المنفرد لا يكفي، التحول المطلوب هو أن تبني الدول العربية (وخصوصاً الأردن وفلسطين ومصر) محوراً استراتيجياً مضاداً، يقدم نموذجاً بديلاً للسلام لا يقوم على العجز، بل على موازين قوى متجددة.
في الختام... ليس الاستعصاء الإسرائيلي مجرد خيار تكتيكي عابر، بل هو هوية تحولت إلى بنية، والإقرار بهذه الحقيقة هو بداية الخروج من المأزق، عندما تخلت إسرائيل عن وهم التسوية لصالح مشروع الأمر الواقع، كشفت عن أعمق أزمة تواجهها: أنها لا تستطيع البقاء يهودية وديمقراطية وشاملة للأرض ذاتها، وهذا تناقضها الوجودي الذي تستعصي به لإلهاء العالم عنه، أمام هذا المشهد، يقف الأردن، بقيادة هاشمية تمثل ضمير الأمة وواقعيتها معاً، كخط الدفاع الأخير، لكن حتى الصمود الأردني له حدود إذا ظل وحيداً، الحقيقة الصامدة أن الشعوب بدأت تدرك أن الحل لن يأتي من قصور الرئاسة أو قاعات التفاوض الخالية من الإرادة، بل من وعي جديد باستراتيجية القوة المتوازنة، ومن إيمان راسخ بأن الاحتلال زائل لا محالة، وأن الاستعصاء وهم سرعان ما ينهار أمام إرادة أمة تعي أن حقها لا يسقط بالتقادم، غداً سينظر التاريخ إلى هذه المرحلة، إما كعهد تراجع وتبعية، أو كنقطة تحول أعادت تعريف معنى أن تكون عربياً.
توصيات لصناع القرار الاستراتيجي
1. تفعيل عقيدة الردع الإقليمي ببناء منظومة أمنية وسياسية أردنية مستقلة، قادرة على توليد تكاليف استراتيجية عالية لأي تجاوز إسرائيلي للخطوط الحمراء الأردنية، وخصوصاً في القدس والمياه والحدود.
2. استراتيجية فك الارتباط التدريجي بتحويل الاعتماد الاقتصادي والتكنولوجي على إسرائيل إلى ورقة ضغط، عبر تنويع الشراكات الإقليمية (العراق، الخليج، تركيا) وإنشاء بدائل أردنية في الطاقة والمياه والصناعة الدفاعية.
3. تحالف القدس الثلاثي بتعزيز التنسيق الأردني الفلسطيني المصري على مستوى استراتيجي لا تكتيكي، ليشمل خطة عمل عربية موحدة لمواجهة الاستعصاء الإسرائيلي داخل المحافل الدولية، وتفعيل خيارات قانونية بديلة (كمحكمة الجنايات الدولية).
4. حرب السرديات الموازية بإنشاء منصة إعلامية أردنية عربية بموارد عالية، تخترق الرواية الإسرائيلية عبر لغات عالمية، وتفضح البنية الاستعصائية بكشوفات وأبحاث وتقارير موثقة، تستهدف صناع القرار الغربي والرأي العام العالمي.
5. الأمن المائي والغذائي السيادي بتحويل ملف المياه والغذاء من ملف تفاوضي إلى ملف أمن قومي بخطة استثنائية خمسية، تشمل محطات تحلية متقدمة واتفاقيات مائية بديلة مع دول غير إسرائيل، لكسر أي إمكانية للابتزاز المستقبلي.
6. الاستثمار في العقل الاستراتيجي الأردني بإنشاء "كلية الدراسات الإسرائيلية المتقدمة" في عمان، تعنى بتحليل الاستعصاء البنيوي ووضع نماذج استشرافية للصراع، تكون نواة لقرارات أردنية تستبق الأحداث لا تتفاعل معها.