عمّان التي لا تمشي .. لماذا يخاف المواطن من السير في شوارعها؟

mainThumb
عمّان التي لا تمشي.. لماذا يخاف المواطن من السير في شوارعها؟

10-08-2026 02:57 PM

printIcon

أخبار اليوم - راما منصور

في عمّان، قد لا تكون المسافة بين نقطتين طويلة، لكن الوصول إليهما سيرًا على الأقدام قد يتحول إلى رحلة مليئة بالعوائق والمخاطر. المواطن الذي يقرر ترك مركبته والمشي في الشارع يجد نفسه في كثير من الأحيان أمام أرصفة متقطعة، وممرات غير مهيأة، ومواقع تجبره على النزول إلى الطريق ومشاركة المركبات مساحتها.

جولة في عدد من مناطق العاصمة تكشف واقعًا لا ينسجم مع فكرة المدينة القابلة للمشي؛ فالرصيف الذي يبدأ من أمام أحد المحال قد ينتهي فجأة، ثم يظهر من جديد بعد مسافة، بينما تعترض طريق المشاة أعمدة إنارة، وأشجار، ومواقف مركبات، وبسطات، ومداخل مبانٍ، لتتحول المساحة المخصصة للسير إلى مسار متقطع لا يسمح بالمشي بصورة طبيعية.

وفي بعض المواقع، لا يحتاج الأمر إلى أكثر من دقائق قليلة حتى يجد المواطن نفسه مضطرًا لمغادرة الرصيف والسير بمحاذاة المركبات، خصوصًا في الشوارع التي تزدحم بالمحال التجارية أو تفتقر إلى مساحات واضحة للمشاة.

المشكلة لا تتعلق بالراحة فقط، فالنزول من الرصيف إلى الشارع يرفع مستوى الخطر على المشاة، ويجعل حركة السير والمركبات جزءًا مباشرًا من رحلة المواطن اليومية، خصوصًا في الشوارع المزدحمة أو عند التقاطعات.

وتصبح الصورة أكثر صعوبة بالنسبة لكبار السن، الذين قد يجدون صعوبة في تجاوز الأرصفة المرتفعة أو غير المستوية، وكذلك الأشخاص ذوي الإعاقة ومستخدمي الكراسي المتحركة، الذين يحتاجون إلى مسارات متصلة ومنحدرات مناسبة وممرات آمنة حتى يتمكنوا من التنقل باستقلالية.

كما أن غياب ممرات المشاة أو عدم وضوحها في بعض المواقع يجعل عبور الشوارع مهمة إضافية، خصوصًا عندما تكون المسافة بين نقاط العبور طويلة أو عندما تتداخل حركة المركبات مع حركة المشاة دون تنظيم واضح.

وفي مناطق أخرى، تتحول الأرصفة إلى مساحات متعددة الاستخدامات، فتتداخل فيها مواقف السيارات مع مسار المشاة، أو تشغلها تجهيزات ومحال ومطاعم، فيضطر المواطن إلى البحث عن مساحة بديلة للسير، وغالبًا ما تكون هذه المساحة هي الشارع نفسه.

هذا الواقع ينعكس أيضًا على سلوك المواطنين؛ فحين تصبح السيارة أكثر سهولة من المشي، حتى للمسافات القصيرة، فإن الاعتماد على المركبات يزداد، وتتحول الشوارع إلى مساحات أكثر ازدحامًا، بينما تتراجع فرص استخدام المشي كوسيلة تنقل يومية.

المدينة القابلة للمشي لا تحتاج فقط إلى أرصفة موجودة على الخريطة، بل إلى أرصفة متصلة وآمنة وقابلة للاستخدام، وممرات واضحة، ونقاط عبور مناسبة، ومساحات خالية من العوائق، وتصميم يضع المشاة ضمن أولويات الحركة اليومية.

وفي عمّان، تبدو الحاجة إلى هذا النوع من التخطيط أكثر إلحاحًا مع استمرار التوسع العمراني وزيادة أعداد المركبات، لأن المشي ليس نشاطًا ترفيهيًا منفصلًا عن النقل، بل جزء أساسي من رحلة المواطن، سواء للوصول إلى عمله أو جامعته أو متجره أو موقف النقل العام.

المشهد في الشوارع يضع المواطن أمام مفارقة واضحة؛ فالمسافة قد تكون قصيرة، لكن الطريق إليها ليس بالضرورة سهلًا، والرصيف الذي يفترض أن يحمي المشاة قد ينقطع في اللحظة التي يصبح فيها وجوده أكثر أهمية.

عمّان تحتاج إلى شوارع لا تكتفي بمرور السيارات، بل تسمح للمواطن بالسير بأمان واستقلالية، لأن حق المشي في المدينة يبدأ من رصيف متصل وينتهي عند وجهة يمكن الوصول إليها دون الاضطرار إلى مجازفة على الطريق