لماذا تصبح التخصصات الجامعية في الأردن راكدة عامًا بعد عام؟

mainThumb
لماذا تصبح التخصصات الجامعية في الأردن راكدة عامًا بعد عام؟

16-08-2026 08:27 AM

printIcon
أخبار اليوم – محرر الشؤون الصحفية

تتسع في الأردن عامًا بعد عام قوائم التخصصات الجامعية المصنفة راكدة أو مشبعة، في مشهد يفتح الباب أمام سؤال يتجاوز اختيار الطالب لتخصصه الجامعي إلى قدرة الاقتصاد وسوق العمل على إنتاج وظائف جديدة تستوعب عشرات الآلاف من الخريجين سنويًا.

وخلال السنوات الماضية، اتجهت جامعات إلى طرح تخصصات جديدة أو تغيير مسميات تخصصات قائمة، وتجزئة أخرى إلى مسارات أكثر دقة، في محاولة لمواكبة التحولات الحديثة ومتطلبات سوق العمل، إلا أن المشكلة بقيت قائمة، ودخلت بعض التخصصات الحديثة نفسها سريعًا إلى دائرة محدودية فرص التشغيل.

ومن بين الأمثلة تخصصات مرتبطة بالجريمة والانحراف وغيرها، وهي تخصصات حديثة نسبيًا في البيئة الجامعية الأردنية، لكن سوق العمل المحلي لم يتوسع بالقدر الكافي لاستيعاب خريجيها، ما جعل الرهان على استحداث التخصصات وحده غير قادر على معالجة أزمة البطالة بين حملة الشهادات الجامعية.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: لماذا تزداد أعداد التخصصات الراكدة والمشبعة كل عام؟ وهل يمكن أن يصل الأردن خلال سنوات قليلة إلى مرحلة تصبح فيها غالبية التخصصات الجامعية ضمن دائرة الإشباع؟

فالطب والهندسة والمحاسبة والإدارة والتخصصات الفنية والإنسانية موجودة في مختلف دول العالم، ولا يمكن تفسير تراجع فرص العمل فيها محليًا على أساس أن العالم استغنى عنها أو أن طبيعة الحياة لم تعد بحاجة إليها.

المعادلة تبدو مرتبطة بدرجة أكبر بحجم الاقتصاد وقدرته على التوسع وخلق الوظائف.

فعندما يقال إن الأردن لديه أعداد كبيرة من المهندسين قياسًا بعدد السكان، فإن الرقم يقدم جانبًا واحدًا من الصورة، فيما يتمثل الجانب الآخر في حجم المشاريع الهندسية والإنشائية والصناعية والتكنولوجية التي أُنشئت خلال السنوات الماضية، وعدد الوظائف التي استطاعت توليدها.

وينطبق الأمر ذاته على المحاسبين والإداريين والفنيين وغيرهم، إذ إن الحاجة إلى هذه المهن ترتبط أساسًا بوجود شركات ومصانع ومشاريع واستثمارات جديدة تحتاج إلى موظفين.

ومع دخول دفعات جديدة إلى الجامعات كل عام، ثم انتقال عشرات الآلاف منها إلى سوق العمل، مقابل محدودية الوظائف المستحدثة، يتراكم عدد الباحثين عن العمل بصورة تشبه كرة الثلج.

وعند استمرار هذه المعادلة، قد يصبح وصف التخصص بأنه «راكد» غير كافٍ لتفسير المشكلة، لأن الركود عندها لا يتعلق بتخصص بعينه، وإنما بسوق عمل لا ينتج وظائف بالسرعة والحجم اللذين يتناسبان مع أعداد الخريجين.

وهنا تظهر مفارقة أخرى، إذ يجري توجيه الطلبة بعيدًا عن تخصصات توصف بالراكدة نحو تخصصات جديدة، لكن التخصص الجديد نفسه قد يواجه بعد سنوات قليلة المصير ذاته إذا لم تتولد قطاعات اقتصادية ومشاريع قادرة على تشغيل خريجيه.

استحداث تخصصات تواكب التطور العلمي والتكنولوجي أمر ضروري، لكن تغيير المسميات أو طرح برامج جامعية جديدة لا يمكن أن يكون بديلًا عن بناء سوق عمل قادر على استيعابها.

فالسوق لا يحتاج إلى اسم جديد على شهادة جامعية بقدر حاجته إلى مشروع جديد، ومصنع جديد، وشركة تتوسع، واستثمار يدخل إلى المملكة ويوفر فرص عمل حقيقية.

ومن هنا، فإن معالجة أزمة التخصصات الراكدة لا تقع على عاتق الجامعات والطلبة وحدهم، وإنما ترتبط بالسياسات الاقتصادية والاستثمارية وقدرتها على توليد الوظائف، إلى جانب ضرورة وجود تنسيق حقيقي بين التعليم العالي والقطاعات الاقتصادية قبل فتح تخصصات جديدة واستقبال آلاف الطلبة فيها.

والحل لا يبدأ بإضافة تخصصات جديدة إلى الأدلة الجامعية كل عام، وإنما بإيجاد بيئة اقتصادية قادرة على خلق مشاريع وفرص استثمارية، ومنح القطاع الخاص والمستثمرين حوافز مرتبطة بالتوسع والتشغيل وتوفير وظائف مستدامة للأردنيين.

فإذا بقي عدد الخريجين يتضاعف بينما تتحرك فرص العمل بوتيرة أبطأ، ستواصل قوائم التخصصات الراكدة اتساعها، وقد يأتي يوم يصبح فيه السؤال مختلفًا تمامًا: هل المشكلة أن التخصصات أصبحت راكدة، أم أن سوق العمل نفسه لم يعد قادرًا على استيعاب خريجي الجامعات؟